ويسألون عن المرأة...
بلقيس حميد حسن
سألتني مقدمة برنامج سياسي في احدى المحطات التلفزيونية عبر الهاتف عن رأيي بوضع المرأة العراقية , وعن مدى امكانيتها على ان تكون وزيرة ناجحة,..ثم اردفته بسؤال عن الاعلام العراقي وصورة المرأة فيه ..
لقد اعطوني دقيقة ونصف لكل سؤال , فما اكرم الاعلام العراقي !!!...
قد يقول القاريء ان هذا الموضوع ليس جديدا علينا سماعه ولامناقشته , لأننا مللنا وكلت اعيننا من رؤية هكذا مواضيع تتعلق بوضع المرأة..
وأقول طالما بقي الوضع على ماهو عليه رغم صراخنا فلابد من إعادة الصراخ من جديد وكأن شيئا لم يكن , وقد يكون ظل المقالات التي تناقش هذا الامر ثقيلا على القاريء , لكن ماذا يفعل مَن كفه في النارتحترق كل يوم والاخرون يتفرجون ؟
كان جوابي على السؤال الاول هو انني تجاوزت الحديث عن عرض ماتعانيه هذه المخلوقة التي اسودت بوجهها كل مصابيح الكون ببراقع واحجبة داكنة , باسم الدين تارة وباسم الحفاظ على سمعة العشيرة تارة اخرى, وتجاوزت المضايقات التي تواجهها في الشارع والعمل والجامعة من متطرفين ومدعين , بل تجاوزت التهميش الذي تعاني منه الثكالى وزوجات الشهداء والارامل والمطلقات , وحتى ساكنات الخيم والاماكن النائية بظروف غير صحية بحثا عن الامان , وتجاوزت حاملات الشهادات اللواتي لم يحصلن على وظائف بسبب المحاصصة والمعايير الجديدة في المجتمع العراقي والتي تعتبر امتدادا لمعايير صدامية انشطرت وتفرعت واصبحت اكثر وجعا للعراقيين , انما قفزت الى الحل الذي ادعي انه اساسي ومطلبي الان في ظل وضع بات يهدد كل شيء وهو الاهتمام بوعي المراة بدورها الهام ببناء هذا الوطن المدمر وهذا الشعب الذي بات نصف اطفاله يتامى ومشردين .
والوعي لايأتي من فراغ ولابد من خطط رسمية وحكومية لنشره في كل مكان توجد به المرأة منذ طفولتها حتى بلوغها ساحة العمل والعطاء وبناء الاسرة . واول اهتمام لابد وان يبدأ من محو اميتها التي تشكل العائق الاول امام وعيها في المساهمة وقدرتها على شق طريقها في مجتمع ذكوري لازال يراها اقل من مستوى بشر , كما ان ماتركه نظام صدام من اهمال بهذا الشأن رغم تشدقه بمحو امية العراقيين وحصول العراق على جائزة تأسست على معطيات كاذبة ومزيفة , يحتاج الى جهود مضاعفة ولكن مانراه هو ان محو الامية في العراق لم يعد ضمن خطط الحكومة بل حملته بعض مؤسسات المجتمع المدني التي تجمع امواله من تبرعات المحسنين مع الاسف .
اما الجواب على السؤال الثاني حول استوزار نساء عراقيات , فبلا شك هي ضرورة اذا صدقت النوايا ببناء مجتمع مدني حقا يقوم على اساس المساواة بين افراده , وان استوزار نساء قادرات على القيام بمهام الوزارة من ظواهر المجتمع الحضاري المعاصر , ولا اعتقد ان العراق عقيم وخالي من هكذا نساء, بل اننا لو ابعدنا معيار المحاصصات والنظرة القاصرة للمرأة جانبا لاستطعنا ان نجد الكثير من المؤهلات لهذا العمل وبروح وطنية عالية وبتفاني واخلاص قد يكون اكثر من اخلاص الرجال حيث تريد المرأة جاهدة اثبات قدراتها في مجتمع لازال يشك بها..
ولكن المشكلة لا تكمن بالوزيرة المرأة انما تكمن بمن حولها, وبمن يتعامل معها ويشترك في تنفيذ خطط الوزارة , خاصة انها ستكون محاطة بموظفين ومسؤولين من الرجال, وقد لا يؤمنون بامكانياتها على النجاح , في حكومة غالبية العاملين بوزاراتها ينتمون لاحزاب وكتل ذات ايديولوجيات سلفية لها حصة الأسد , وهنا يصبح التحدي كبيرا حينما يحاول الجميع اثبات فشلها مهما قدمت وتفانت في العمل , فالنظرة المسبقة في رؤوس الرجال هي اعتبار المرأة الفاعلة في المجتمع امرأة تطلب اكثر من وظيفتها الطبيعية , اي انها متجاوزة عليهم مما يدفعهم للبحث عن نواقصها حيث يرونها دخيلة على المنصب المغتصب من الرجال كما يفكرون, اذ ترسخ بأذهانهم منذ الطفولة احقيتهم بالقيادة وذلك من خلال ثقافة متوارثة منذ قرون تربوا عليها وأصروا على عدم تغييرها رغم ان المرأة طرقت كل ميادين العلم والعمل التي طرقها الرجل , ورغم انهم رأوا وعرفوا بأم العين الدور الذي لعبته المرأة في تطوير اقتصاديات مجتمعات اخرى تشخص امامهم بكل حضارتها المعاصرة .. ..
اما الاجابة عن الاعلام والمرأة فهذا لعمري اكثر سؤال محرج للاعلام ذاته, فحينما طلبت مني مقدمة البرنامج ان اجيبها على كل سؤال بدقيقة ونصف , حينها تذكرت الساعات الطوال المعطاة بالفضائيات لدور الازياء, ولمعدي وصفات الطعام الساذجة , ولشيوخ التطرف ونشر التعصب البغيض , ولمطربات المقاهي, فعن اي صورة للمرأة يتكلم الاعلام ؟
اين منا المثقفات والمناضلات الراغبات حقا بحياة حضارية كريمة للشعب , واين منا النساء اللواتي يفهمن معنى الحرية ليقفن بكل قدسية الكلمة الحرة ويقلن رأيهن بما يحصل على ارض يدفن بها العشرات يوميا بصمت وحزن سومري له رهبة خاصة , ليست كرهبة الموت عند كل سكان الارض , انهم نحن اهل الرافدين الذين عذبوا منذ جلجامش حتى اليوم ...
لقد احرقتني الاسئلة وطغى على الأسى الا من كلمات لا ادري ان كانت هي الجواب ام اسئلة اخرى ممزوجة بدمعة وحسرة ارادوها لتحبطنا وهي :
عن اي اعلام وعن اي وزارة وعن اي قهر يتحدثون ويتساءلون ؟
فلينظفوا العقول اولا , وليحسنوا النوايا بخصوص المرأة ..
ومهما كان الامر فنحن نصر على القول ان ايماننا بقدراتنا يدفعنا للمضي اذ لا يصح الا الصحيح , والحياة سائرة الى الامام , والمرأة العراقية لا بد وان تكون, وستكون حتما رغم كلما يوجهونه لها من محاولات شد ٍ الى الوراء...
15-11-2007
