هنيئا للمرأة الكويتية فوزها

 

 بلقيس حميد حسن


ذات يوم وقبل خمسة وثلاثين عاما وقف برلماني كويتي شجاع ليقولها عاليا: "أما آن الأوان للمرأة الكويتية من دخول البرلمان"..وطالت الأيام ومرت الأحداث السياسية تلو الأحداث ،وكانت المرأة الكويتية شريكا سياسيا هاما في الشارع والبيت, منحت قلبها للوطن ,تعذبت حينما غزاهم الطاغية صدام , نحتت بالصخر لسعادة الكويتيين أسوة بأخيها الرجل , درست , ناضلت , نجحت , فكانت أستاذة جامعية وطبيبة ومعلمة وأديبة مبدعة , وقبل هذا وذاك هي الأم التي بحثت عن أبناءها المفقودين بين مقابر صدام الجماعية وغزوته الكارثية , هي الأم التي إن أمسكت بزمام القرار ستقرر خيرا لأطفالها, وسلاما لوطنها, ورعاية لكل من يحتاج الرعاية , فالمرأة مخلوق مسالم, رقيق تكمن قوته بعاطفته وقدرته الخلاقة على الحنان, قلب المرأة يخشى كل ما هو مؤلم , ويعمل دائبا من أجل إسعاد الآخر, وما أحوجنا في زمن تتهدد بلداننا الآمنة زمرات إرهاب همجية إلى قرارات ألام الحكيمة الحانية لتحد قليلا من قسوة ووحشية ما نلقى وما نجد .
في نشوة الفرح بهذا القرار لا بد من الاعتراف بأن ظروف المرأة الكويتية كانت احسن من ظروف أخواتها العربيات – عدا دول الخليج - اقتصاديا وامنيا بفضل حكومة مسالمة وطنية , لذا رأيناها ما تركت مجالا للثقافة والبحث وتطوير الطاقات إلا وسلكته, حتى قفزت نسبة الكويتيات المثقفات إلى عدد متقدم يوازي ما لدى الدول المتحضرة , فسارت بخطى حثيثة , واثقة مؤمنة بحقها ومصرة عليه , ساهمت بكل تبعات ومعاناة ما واجهه وطنها دون آن تنال حضورا سياسيا وإقرارا به رغم حضورها , وتحقيقا لأمل أمتدّ في نفوس الكويتيات منذ وضع الدستور عام 1962 الخالي من الإشارة إلى حق تلك المرأة بالترشيح والانتخاب، وهو تناقض واضح مع ما يفرضه ذلك الدستور من مساواة بين الجنسين.وقد تنبّه أمير الكويت لهذا الأمر عام 1999 ليصدر رغبته الأميرية بمنح نساء الكويت حقّهن المشروع في التصويت والانتخاب.
وها ست سنوات تمرّ عجافا بتجاوز هذا الحق...... أخيرا , ها نحن نسمع أغرودة الفرح الكبيرة التي أطلقتها المرأة الكويتية, فرحة امتزجت برغبتها الحقيقيـّة في التمثيل السياسي الذي يعطي الولاية النسوية دورا أقرّته الأديان والمبادئ الطبيعية, وعطّلته التقاليد البالية التي كبلت طاقات المرأة لسنوات طويلة أقصتها عن موقع القرار رغم أنها تعطي كما يعطي الرجل بل اكثر .
ويالها من فرحة لحظة يعدّل القانون الانتخابي الكويتي لتدخل الكويت بكل ثقل نساءها وطموحهن صوب المعترك السياسي, هاهو ميزان العدالة يعتدل اليوم ملتفتا للمرأة التي نالها حيف الإهمال السياسي وجرّحها لما يزيد على الأربعين عاما في وطن تعطيه كل ما عندها من طاقة وحب , هاهو الحيف اليوم يـُرفع, كبداية طيبة لتعم العدالة السياسية التي تمنح المرأة بعضا من طموحاتها التي توظفها لإسعاد الكويت وأهله .
لن أقول ألف مبروك للكويتيات فقط , وأنا أرى قبلة العرفان التي وضعتها الشيخة المبدعة سعاد الصباح على جبين أميرهم , إنما اهنيء نفسي وكل النساء في العالم العربي خاصة, فقضيتنا واحدة , ومسيرتنا لابد لها من تكاتف , ولابد من الاستزادة والاستفادة من تجارب جميع النساء المناضلات اللواتي سيبدأن بكتابة تأريخ المرأة الكويتية رسميا ومن منابر البرلمان ساعة ولوجهن معترك العمل السياسي ليصبح الكويت بلدا متقدما بكل ما تحمله الكلمة من حقيقة, حديثا ببناءه وروح أبناءه الطامحين للعدالة الاجتماعية والمساهمة بترسيخ مبادئ الوطنية والرغبة في دوام السعادة والمحبة , التي إعتادها شعب الكويت .
من هنا لا يمكننا ألا أن نـُكبر موقف أمير الكويت , الذي لابد وان تكبره كل النساء في العالم , فقد كان سندا عظيما للمرأة بمطالبها السياسية , حيث اثبت تفوقه على أقرانه من الرؤساء والملوك العرب الذين ما برحوا يعتبرون دخول المرأة المعترك السياسي بدعة , ومساواتها بالرجل تجاوزا على الأديان في زمن يسرع بالتطور نحو النور ليخلفنا نحن العرب في ظلمة كهوف مفاهيم ارتضيناها لأ نفسنا لنكون على آخر درجة في سلم الشعوب وحركتها نحو الحضارة الحديثة وبناء مجتمع المساواة والعدالة, , لقد تجاوز أمير الكويت بعقله ومداركه النيـّرة ما تسمرت أمامه الحكومات وهي تقف عائقا أمام طموح الشعوب , وكما تـُكسر أصنام الطغاة وتسقط , كسر أمير الكويت تقاليد الحكومات الحجرية , وأعرافها الجامدة , التي تتسبب في إبطاء دورات وعجلات التأريخ, وكان المبادر والداعم للمرأة رغبة وأيمانا منه بعدالة قضيتها , فهنيئا للكويت برجالها الذين استشرفوا دورة الحياة وحركتها الحتمية , وبنسائها اللواتي سيثبتن حتما أنهن أهل للمسؤولية واستلام مركز القرار نحو مجتمع التقدم والسعادة الذي نتمناه لبقية البلدان العربية حيث تسعى المرأة إلى تحقيق طموحاتها بالمساهمة بالحياة السياسية وصنع القرار...

لاهاي
17-5-2005