هل نصمت على كل هذا الجنون؟
بلقيس حميد حسن
اطلق الشيخان السعوديان "عثمان الخميس" و"سعد الغامدي" فتوى جديدة تحرم جلوس المرأة على الأنترنيت لوحدها وبدون محرم , بسبب خبث طويتها كما جاء في الفتوى , واضافوا :
لا يجوز للمرأة فتح الأنترنيت الا بحضور محرم مدرك لعهر المرأة ومكرها"
وهنا لا يسعنا إلا بان نذكر ان من أهم ما يميز المجتمعات المتحضرة عن سواها هو المستوى العلمي والثقافي للمرأة ودورها بالمجتمع باعتبارها مربية الاجيال وهي نواة الاسرة التي تشكل أساس المجتمع اينما كان , وان اهم ماجاءت به افكار كل رجالات اي نهضة بتاريخ الشعوب هو فكرة تعليم المرأة وتثقيفها, ادراكا منهم باستحالة النهوض بمجتمع نصفه جاهل وبعيد عن المساهمة بالبناء , ولتعكس المرأة بدورها كل ثقافتها وعلومها واخلاقها على ابنائها منذ الصغر ولترتقى بهم نحو البناء والعطاء على كل المستويات .
من هنا , ألا يحق لنا من السخرية بهذه الفتوى الغبية ؟
والا يحق لنا ان نصف من اطلقها بالتخلف والرغبة بخلق بلبلة تعرقل المجتمعات الاسلامية التي تتخلف اليوم عن حضارة الامم الأخرى التي سبقتها بالوصول الى بناء مجتمعات اكثر رفاهية واستقرار اقتصادي نتمناه ؟
وهل ان الدين الاسلامي أراد لنا ان نكون آخر شعوب الارض لنستعبد من قبل سوانا عن طريق تفوقه العلمي والحضاري؟
وأي دين عسير هذا الذي يفرض على كل امرأة رجلا يقوم بعمل المرافق او "البودي جارد" على المرأة،وحتى البودي كارد وجد للحماية اصلاً، بينما هم يريدون جاسوسا رقيبا يحصي فعل الحواس لتبقى معطلة عن العمل طوال الوقت, هذا الجاسوس همه مرافقة هذه المرأة والتلصص عليها خوفا من وقوعها بخطأ فتح الانترنيت بغيابه, او الحديث مع غريب ولو عبر القارات وعن طريق آلة؟..
فأية عدوانية تتميز بها هذه الفتوى المرعبة والتي تريد ان تتدخل بها بين المرء وزوجه او اية امرأة من عائلته لتخلق المشاكل داخل كل اسرة وبيت! وهل هذه حقا من شيم دين الحب والتسامح والفضيلة ؟ وهل ينطبق هذا مع الحديث الشريف " اطلب العلم ولو في الصين"؟ فكيف يمنعون العلم حينما يدخل البيت بسهولة ليسهـّل علينا الحياة ويفتح امامنا ابوابها على مصراعيها؟
أي منطق هذا الذي يحرم المرأة من الاستفادة من العلوم ومتابعة الاكتشافات والفوائد الصحية والثقافية والتربوية التي تنتشر على صفحات الانترنيت والتي تريد اخراج المرأة من واقع الانغماس بالمطبخ والتبلد بين حيطانه الى عالم النور ولو داخل منزلها المسور والممنوعة من الخروج منه لتقر فيه ولتكتسب صفة المرأة المحترمة في عرف المتأسلمين وغلاة الدين الذين يصعبون الدين يوميا حتى يكاد يكون تطبيقه من المستحيل , بعكس ماجاء في النصوص من ان الدين هو اليسر لا العسر ..
ان هذه الفتاوي تعكس رغبة من يريد فرض وصاية أزلية على المرأة لأنها خطاءة،فهي من أخرجت آدم من الجنة, ولابد أن يثأر الرجال منها بسبب خطيئتها تلك , كما يغرسون في ادمغتهم وادمغة المظللين بافكارهم الثأرية البدوية السوداء..
إن الشعوب غالبا ماتقاس على مستوى حضور المرأة فيها , لذا راينا ان عظماء التأريخ ومفكري البشرية جميعا اهتموا بأمر تعليم المرأة واعطاءه اهمية محاربة الجهل عند النساء بما لايقل اهمية من محاربته عند الرجال واعتبروا الام هي المدرسة الاولى للطفل ونذكر هنا اشهر بيت شعر قاله امير الشعراء احمد شوقي:
الام ُمدرسة ٌ اذا اعددتـَها ×× اعددت َ شعبا ً طيب الاعراق ِ
والمدارس اليوم تعتمد على الكومبيوتر والانترنيت كأول ضرورة من ضروراتها , وهل يسكت علماء المسلمين ومثقفيهم عن هذه الفتوى الجهنمية ومطلقيها ؟
الا يعتبر الصمت عنها جريمة وهل تترك كغيرها من الفتاوي المجنونة التي خربت عقول الناس وزادت من اختلافهم في مفاهيم الفقه والدين ليطبقها جاهل هنا , وليعتدي جاهل اخر هناك على احدى محارمه ظنا منه انه يطبق شرع الله ؟
ومن سيوقف جنون هؤلاء الشيوخ الذين يسقطون امراضهم النفسية وفوبياهم من المرأة على الدين زورا وبهتانا حتى غدا عقل كل شيخ كتاب خرافات ينشر الجهل والاعتداء على حريات وحقوق الاخرين ؟
ان المرأة الأم التي أوصى الشاعر - كما اوصت كل الاديان - باعدادها قادرة بفعل أدائها التربوي اليومي مع ابنائها ومع محيطها كشخص ٍ معلم ٍ على تمييز العمل السيء من الرديء،لذا فهي غير قاصرة الى ابد الآبدين..ووصفها بالعهر والمكر إنما هو تجاوز على قيمتها الإنسانية،في إتهام باطل مع سبق الإصرار ممن يتبنون هذا المنهج الذي دفع بأتباعه الى اقصى غايات التطرف التي نحن تحت وطء لعنتها وشرورها..فالوصاية ممتدة من هؤلاء ومتجاوزة المرأة لتفرض لاحقا على كل إنسان في هذه الأرض. لذا أرى من واجب جميع المشايخ الساعين لإحقاق الدين الحق،فضح هذه الخزعبلات والتصدي لمشاريع هؤلاء التدميرية, وان يفندوا هذه الفتاوى التي لا تمت للدين بصلة ولا للعقل والمنطق والاخلاق..
وان الصمت عن فتاوي مجنونة سابقة , دعا هؤلاء في التمادي ليطلعوا علينا كل يوم بفتوى اتعس منها , وسياتي اليوم الذي يفتون به بحرمة تعليم البنت القراءة والكتابة , وهذا عكس ارادة المنطق والحضارة بل عكس ارادة كل الاديان ..
وكإمرأة عراقية اتمنى من ابناء شعبنا العراقي ان يسخروا من هذه الفتاوى التي لا تخدم اي انسان واي شعب , وان ينتبهوا الى حاجة المدارس وخصوصا مدارس البنات الى أجهزة كومبيوتر خاصة وان العراق الذي عطلته الطغمة الصدامية اربعة عقود عن السير نحو التقدم اسوة بباقي دول العالم , يحتاج اليوم الى جهود مضاعفة لتعويض ما فات , وقد رأيت قبل يومين برنامجا في احدى الفضائيات العراقية, يسأل المذيع به طالبات المدارس عن حاجتهن, وكم سعدت حينما كانت إجابة جميع الطالبات هو الرغبة بالتعلم على الكومبيوتر والانترنيت ..
إذن لنحارب هذه الفتاوي الغبية ونلقيها بسلة المهملات ونبتديء
9-10-2004...
