العودة لرموز الجمهورية العراقية

 

           بلقيس حميد حسن                                                

      الظاهر أن مجلس الحكم المؤقت منذ تشكيله حتى الآن يعتمد سياسة إشغال الشعب بأمور بعيدة كل البعد عن المشاكل اليومية والمعاناة التي يقاسونها , فهل أن مناقشة علم العراق الآن أهم من أمن السكان,  والقتل اليومي صار تقليد الشارع العراقي ؟ ألم يكن أجدر بمجلس الحكم أن يهتم, بالتخلص من الأسلحة وتنظيف البيئة , وتوفير الماء النظيف الذي أصبح مشكلة تهدد صحة الملايين  ؟ ألم تكن مشكلة انقطاع التيار الكهربائي كافية لأن يهتم بها ويعقد لها اللجان بدلا من عقدها ومتابعتها لرسم علم جديد وكأنه المعضلة الوحيدة ؟ ألم يكن من الأجدى تأسيس لجان لتنظيف الشوارع التي أصبحت كارثة كبرى , وإصلاح شبكات الصرف الصحي والهاتف والمدارس والسكن وووغيرها من مئات المشاكل التي نتجت عن كل الخراب والدمار الشامل الذي مر بالعراق ؟
للأسف جاء العلم العراقي ليس بأوانه , كما هو قرار 137 الذي شغل العراقيين وألهاهم عن ما هو أهم  ثم رغم نضال أبناء وبنات العراق ضده, إلا أنني واثقة بأن  السيد  بريمر قد ألغاه بعد يأسه من سماع مجلس الحكم لأصوات الشعب الرافضة لهذا القرار, ليقول لنا أننا أمام حكم ديمقراطي يستمع لرأي الشعب , وها نحن أمام نفس المسرحية , فبعد أن شاهدوا  ردات الفعل الرافضة للعلم الجديد  قالوا أنه علم مؤقت , فهل هذه  المؤقتات ضرورية جدا لهذا الحد, هل أن قوات التحالف هي التي تحرك هذه الأمور لينسى الناس وجودها في العراق؟ وأن المجلس دمى متحركة ؟
لم َ كل هذا العناء  والإختلاف ؟
وإن كان لا بد لعلم مستعجل  يساهم به العراق في اللجنة الأولمبية فلدينا علم الجمهورية العراقية القديم والذي أحبه كل أبناء العراق بما فيهم  بعض أعضاء مجلس الحكم - وهو على كل حال مؤقت -  بدلا من هذا  العلم الساذج الجديد  الذي عبر عنه أحد المارة ببغداد قائلا أنه كسيارة إسعاف , وهو فعلا كذلك لأن سيارة الإسعاف باتت هي أهم  مطالبنا اليوم .
لست ممن  يؤمن بنظرية المؤامرة, و يعزي كل مصائبنا إلى أعداءنا بالخارج,   وينسب كل شيء إلى أمريكا وإسرائيل كبقية شعوب المنطقة التي  دجنتها الديكتاتوريات وغسلت أدمغتها , ومع أنني لا أحب السياسة الأمريكية , ولن أدافع عنها أبدا,  حيث  لم أستطع هضمها مهما فعلت  وهناك ألف سبب وسبب  لست بصدده الآن, و بغض النظر عن كل هذا لكن  العلم الجديد  يشبه إلى حد ما المبدأ الذي رسم عليه علم إسرائيل , حيث أن هناك رمزا دينيا هو نجمة داود وهنا هلالا  للإسلام , هناك خطان يمثلان هدف إسرائيل في دولتك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل,  والتي قامت هذه الدولة  على أساسه,  وهنا  خطان يمثلان دجلة والفرات , نفس الألوان مضافا له اللون الأصفر الذي يرمز للأكراد , ولا أدر لم الأكراد دون سواهم من القوميات الكثيرة في العراق من عرب ,  تركمان , أرمن , آشوريين , كلدان  وسواهم من الأقليات القومية ؟ مع أننا اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لرمز موحد لكل هذه التشكيلات الوطنية في العراق, بدلا من التمييز الذي يشعل فتيل النعرات التي أشعلتها سياسة البعث والتي  نحترق بها منذ سنين.
ثم أن  هذا العلم  يرمز للإسلام فقط  و يلغي أديان  كثيرة من أبناء الشعب العراقي , فهو  يلغي المسيحيين و الصابئة  والإيزيديين ولا يمثل الكثير من الأديان القديمة بالعراق , إذن ما لمقصود من هذا ؟
كما أقول لمنتقدي العودة للرموز البابلية أو الرموز العراقية القديمة بأنهم للأسف لا يدركون قيمة هذه الرموز عندما تكون علما ً يساهم ويحفز لأن تتوحد تحت  ظله تشكيلات  الوطن جميعا , كما أن هذه التشكيلات المختلفة من الأديان والقوميات هي التي بنت الحضارة الأولى والتي شعت نورا وعلما على البشرية , فهل نتنكر لتأريخنا الذي أحببناه جميعا؟
إضافة لكل هذا فالرموز الوطنية لا بد وأن تكون محبوبة ومقبولة من قبل كل الفسيفساء العراقية ,  ولابد من أن تفتخر بها  وبا لإنضواء  تحتها, فهل هناك من  يريدون  عراقا  يلغي هويته العريقة والتي تمتد لأكثر من سبعة آلاف عاما,  ليهجنوا الشعب شيئا فشيئا كما يشاءون ويطمسون هويته الأولى التي يفتخر بها كل عراقي؟ ثم أين الإبداع في هلال وخطين ؟
 مع أنني لا أشك بوطنية المهندس والفنان  البورجوازي رفعت  الجادرجي, ولا أشك بإمكانياته الفنية العالية ,  لكنني أعجب منه وهو  صاحب  الذوق الرفيع الذي  يأنف ويشمئز من طعام عبد الكريم قاسم الذي كان يأتيه من منزله  ويكاد أن  يتقيء وهو يتذكر الكفتة  في مقابلة تلفزيونية, حيث يحمد الله على أنه لم يتذوقه  رغم دعوات عبد الكريم  المتكرره  له  لمشاركته الطعام,  ولا يشمئز ويأنف من تدني الذوق بالعلم الجديد الذي صممه الآن  وأتساءل هل  أن الفنان  الجادرجي  قد بلغ  من العمر عتيا حتى صار لا يستطيع أن يبدع أكثر مما يشار عليه ؟
وهنا أضم صوتي لرافضي العلم الجديد , والبديل موجود ومطروح من قبل العديد من المفكرين والمثقفين العراقيين , ألا وهو العودة إلى الرموز الوطنية القديمة زمن عبد الكريم قاسم , بما فيها نشيد( موطني- موطني) الذي نحفظه جميعا ونعشقه, كما أن هذه العودة ستكون تعبيرا لنا كعراقيين عن رفضنا لزمن البعث المقيت , ورفضنا لكل مخلفاته , وهو تعبير عن رغبتنا بالعودة لزمن الحب والوئام, زمن هربجي كرد وعرب  رمز النضال , زمن البيوت للفقراء بدلا من الأكواخ , زمن الأراضي للفلاحين المعدمين , زمن البناء وتبليط شوارع العراق جميعها والتي بقي أغلبها على ذاك التبليط القديم,  زمن الحرية  والمساواة  للمرأة ,  زمن عفا الله عما سلف, زمن أبو الفقراء , الشهيد عبد الكريم قاسم الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت آخر حيث العراق صار مـَلـِك  الفقر والفقراء.

27-4-2004