نافذة

في رثاء الأديب الكبير حميد العقابي طباعة
في رثاء الأديب الكبير حميد العقابي

بلقيس حميد حسن

وداعا صديقي الغالي الأستاذ الكبير حميد العقابي
صدمني رحيلك المفاجئ فشلّ قلمي أيها النبيل في كل شئ حتى في موتك.
غادرتنا مثل كوكبة فرسان منتصرة، وحربك كانت حرب مباديء، أنت الرابح بها مهما إختلّت الرؤية، لأنك الأصدق، والأوفى، والأكثر عطاءً ، والأكثر إبداعا، والأكثر زهداً..
أيها المبدع الموسوعي، لقد كنت كوة صدقٍ علت وسط ظلام الثقافة الغارقة بالتهريج واللاوطنية الضاجة بالأضواء المشوبة بالمصالح والزيف. فتشتُ عن تسجيل للقاء أو قراءة شعرٍ لك في اليوتوب فلم أجد أي شيء سوى أنك قدمت صديقا وتحدثت عن كتابه، فكم كانت الثقافة التي أعطيتها روحك جاحدة معك!..
كنت شاعراً وروائياً ومفكراً وإنساناً زاهداً بالدنيا مصرّاً على كلمة الحق وإن كره الآخرون.
لم تفكر بذاتك في زمن كثر به السرّاق والخونة وتعالى به اللهاث وراء المنافع والمباهج ..
أخبرنا رحيلك السريع أنك جزعت من الحياة الملوثة التي لا تنتمي لك أيها الناصع، اخترت الشمس حياةً أخرى، محقٌ أنت فالنور وحده شبيهك.
سلمت من كل خطأ أو غبارٍ يا حميد
تنزّهت من كل ثرثرة وارتقيت بعزلتك الأنيقة كما شخصيتك المهذبة، الهادئة، الدافئة، المفعمة بأخلاقك الحضارية النادرة .
كان سردك الشعري المبهر الذي تنحته نحتا، ولغتك الغنية هما هويتك، وهما مصدر حسد المدّعين وغير المقتدرين الذين تعج بهم الثقافة العراقية والعربية اليوم .
لقد تركت لنا إرثا رائعا تجاوز العشرين كتابا في فضاءات الشعر والرواية والفكر والترجمة. كتبك علامات مضيئة، وشموع تنير وجه الثقافة العراقية التي كبلها الواقع المرّ في الوطن وشتات المنافي ..
سردك يا حميد العقابي لا يشبه أي سرد كما هو صمتك الأخّاذ وكما هي روحك الهائمة بحثا عن جديد وممتع. كانت لغتك الباذخة المختصرة تتوخى ماقاله النفري :
(إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة)
فهل أن سعة رؤيتك العميقة للوطن وهموم الناس والكون لم يحتملها قلبك المرهف ؟ ..
أعرف جيدا أنك ساعدت كتّابا وشعراء معروفين أو مغمورين، لتخرج كتبهم للنور وهي سليمة غير معاقة بلغة أو معنى. دققتها أنت على كثرتها وأصلحتها خدمة للثقافة ودون مقابل، بعضهم أنكر دورك هذا، رغم أنك تتجرع الحياة حزناً وفقراً وعزلة وبعضهم يلعب بالأموال، ولك أنت التعب وإرهاق العيون، وكنت تقول لي قولاً لن أنساه ما حييت :
المبدع ليس نجماً يا بلقيس إنما هو معلمٌ متطوع كي تبقى الثقافة، وتستمر، وتغيّر مرارة الحياة عسلاً .
حميد يا جندي الثقافة المجهول
سألتك يوما لماذا لم تضع صورتك على كتبك وهي أكثر من عشرين كتابا، قلت لي هدفك ليس استعراض صورتك فالكتبُ عقل المرء لاصورته. .
سلاما لروحك النبيلة السامقة يا أبا دجلة وكبريائك الراقي
ويا لجزعنا
لماذا تباغتنا يا الله بهذا الرحيل المبكر فنشقى؟
لن تتهاوى يا حميد رغم الغياب، وستبقى عليّاً في روح وطنٍ عشقتَ ثراه فأرهقَ قلبك..غبتَ سريعاً لتدفن في أرض ٍغريبة ..
حميد الأبي .
كنت جوهرة ترقى السلالم وحدك غير منتظر كلمة بحقك، رغم امتعاض العيون الشاخصة للفوز بالفرص.
كان الأدب عندك عشقاً وبحثاً عن الحقيقة. لم يكن تبجحاً وجلوساً في الصدارة وبحثا عن أضواء وشهرة..
برحيلك يا حميد العقابي، أعزّي الثقافة، وأعزّي الأدب. أعزّي الصدق، وأعزّي العشق، أعزّي الزهد. وأعزّي الحق. أعزّي الوطن. وأعزّي البحث عن حقيقة الوجود، أعزّي التميّز. وأعزّي اللغة العربية التي عشقتها وغدوت بها مدمكا بارعا تمطر على الآخرين ما يجهلون من أسرارها فتحل عقد أقلامهم وألسنتهم..
ستبقى حميد الرائع النبيل المتفرد بكل شيء، وكم شرسة فجيعتنا برحيلك.
ستبقى كتبك مركز إشعاعٍ للمباديء التي تتراجع بعالمٍ لفّه الزيف فغدا وحشاً متعطشاً للموت.
ستبقى أعمالك شاهدةً لثراء إبداعك، ومحطة لروحك العظيمة التي لن تتكرر أبداً...
10-4-2017

 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية