نافذة

الشعور الوطني ومعاهدة جنيف طباعة
الشعور الوطني ومعاهدة جنيف

بلقيس حميد حسن
عشْ هكذا في علوٍ أيها العلمُ **** فإننا بك بعد الله نعتصمُ
حفظت هذا البيت عن أمي حيث كانوا يرددونه في المدارس.
هكذا كان العراقيون وأغلب الشعوب العربية يعتزون بوطنيتهم وكم رددنا ونحن صغار نشيد ( موطني) وتعلمنا حب العراق مع كل شربة ماء من مياه الرافدين.
للأسف اليوم يفتخر البعض بعدم اعترافه بهويته العراقية، ويعلن جهارا نهارا أنه لا يعتز بانتمائه للعراق.
(فأي سخرية مريرة) كما قال الشاعر السيّاب
مهما كانت ظروف العراق سيئة فهناك اليوم الآلاف من الشباب يفتدونه بأرواحهم الغالية، فمن يكون ذلك المثقف القابع في بيت أوروبي ناء عن الحياة ليفتخر بعدم انتمائه العراقي؟ وهو مهما صعد أو نزل فلن يكون بعيون الغرباء سوى مهاجر عراقي وإن تجنّس بجنسيتهم واتقن لغتهم فسيبقى أول سؤال يوجهونه اليه هو:
من أين أنت؟
لقد نسي البعض للأسف أن الوفاء للأصل من أعظم القيم في حياة البشر عبر التأريخ، وأن ناكر الأصل منبوذ.
وكلما أقرأ أقوال هؤلاء ناكري الأصل أفكر بأسباب ذاك الشعور المتنامي هذه الأيام عند العرب جميعا حيث هناك كثيرون طُعنوا بوطنيتهم واستمرأوا الإنسلاخ عن أصلهم ومنشأهم الأول.
فحينما يعود المرء لما قبل انتهاء الصراع الذي كان بين المعسكرين الشرقي والغربي زمن الإتحاد السوفيتي، سيجد أن شعوب العالم الثالث كانت تناضل لتتطور وتحاول النهوض بالعلم والمعرفة لتحقيق أهدافها في بلوغ حالة من الاستقرار الاقتصادي والسياسي، فكنا نرى أن الناس تهتم بالعلم والمعرفة أكثر من الآن على الرغم من صعوبة الحصول عليه، وكانوا يبحثون في بطون الكتب والمختبرات للوصول الى تغيير حيواتهم نحو الأحسن في أوطانهم التي لاسبيل لهم الى العيش بعيدا عنها. بعد ذلك ارتبطت حركات التحرر في العالم الثالث ارتباطا فكريا وسياسيا بالمنظومة الاشتراكية التي كانت ظهيرا لها في كل العالم.
كان حلم شعوب ما يسمى بالعالم الثالث هو إسقاط الدكتاتوريات المتعاونة مع الغرب الرأسمالي غالبا وتكوين حكومات اشتراكية يجد الفقير فيها نسبة ولو دون الطموح من ضمان وأمن كانت تتمتع بهما شعوب المنظومة الاشتراكية وبنسب متفاوتة..
عمل الغرب ليس على إسقاط الاتحاد السوفيتي الذي كان يساند هذه الشعوب ومنها العرب حيث وقف في حروبهم ضد اسرائيل فحسب، بل عمل بكل الوسائل للقضاء على حركات التحرر وتفتيتها وجعلها أوكارا للفساد والعمالة حتى استطاع اسقاط بعضها بإسقاط شخصيات بارزة منها وشراء ذممهم مما جعل أحزابا يسارية عريقة تتفتت من الداخل وتنهار.
لا أريد هنا أن أدخل بتفاصيل كيفية ذلك، ولكنني كضحية من ضحايا هذه الأوضاع السياسية التي يمر بها عالمنا العربي أبحث عن مسببات ما أوصلنا الى هذا الحضيض الذي نراه اليوم والذي يقربنا من الفناء, لذا يحق لي أن أتهم جهات أخرى وإن لم أمتلك دليلا ملموسا على اتهامي لها بانتهاك جريمة تدهورنا وتشتتنا كشعوب ودول يعيش بها ملايين البشر منذ بدء الخليقة الى اليوم, فحينما تكون هناك جثة مغدور- وهي هنا جثة العالم العربي- لابد وأن يكون هناك قاتل محترف لم يترك دليلا على جريمته.
ألا يمكن أن تكون قرارات الغرب كمعاهدة جنيف لقبول اللاجئين مثلاً من أخطر القرارارات التي دفع بها الغرب للسيطرة على العالم الثالث والقضاء على حركات وأحزاب التحرر فيه وجعله مزقا متصارعة لاهثة وراء الحصول على تأشيرة خروج للغرب؟
إن معاهدة جنيف للجوء السياسي التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 1951 كانت في بدايتها عملا انسانيا أنقذ ملايين البشر من الموت المحتم لكننا حينما ندقق بنتائج هذه المعاهدة بعد ذلك وأهدافها الحقيقية قد لا نجدها إنسانية أبدا وأعتقد انها كانت جزءاً من استكمال معاهدة سايكس بيكو ومساعداً لها بتخريب دول الشرق وإفراغها من محتواها وجعل شعوبها يائسة من أوطانها لاهثة وراء اللجوء الى الغرب، حتى يهجر الشرقيون أوطانهم خاصة وأن هذا الغرب دعم كل الأنظمة الشمولية في الشرق ليبقي هذه الشعوب بين المطرقة والسندان، ويظهر بوجه إنساني لكل العالم، بعد أن حصل على أيد عاملة رخيصة وأنعش دماء دولهِ التي تغلب فيها نسبة العجائز على الشباب

ألا يمكن أن تكون معاهدة جنيف لقبول اللاجئين مؤامرة عالمية كبرى قامت بها حكومة العالم الخفية لتسقيط هذه الشعوب وعدم تركها تنهض بنفسها لتواجه الواقع وتبني دولها كما يجب وكما كانت سابقا حيث واجهت الاستعمار والاحتلال والغزوات بالتاريخ؟ حتى صارت هذه الشعوب تلهث وراء الحصول على إمكانية للعيش خارج أوطانها ليتسنى للطامعين السيطرة عليها وعلى مواردها والقضاء على أكبر عدد من سكانها, خاصة وأن هذه المعاهدة جاءت بعد تأسيس دولة إسرائيل ونجاح تهجير اليهود من الشتات وتكوين كيانهم العنصري؟
ألا تشبه هذه تلك مع اختلاف المصالح التي تخفيها حكومة العالم الخفية بالقضاء على أكبر عدد من العرب وهو ما يحصل اليوم في كل الدول العربية تقريبا؟ .
23-2-2017
 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية