نافذة

الشهيد المنسي،..غازي فيصل طباعة

الشهيد المنسي،، غازي فيصل

 

بلقيس حميد حسن


(شهادة للتأريخ)
استشهد غازي فيصل في القصف الاسرائيلي لمنطقة الفاكهاني بيروت يوم 17-7-1981 وكانت مجزرة دموية رهيبة. لم تترك الصواريخ من جسد الشهيد أي جسد..
شاب شيوعي مثقف، هادئ الطبع، وسيم الحضور، دافئ الصوت ينتقي كلماته بغاية الأدب والذوق، يعشق العمل الصحفي.
كان في جيكوسلوفاكيا هاربا من الموت المحتم عبر ملاحقة جلاوزة البعث له، كحالنا في بيروت آنذاك، لكنه لم يقبل بدعة الحياة الاشتراكية هناك والشعب العراقي يموت في المعتقلات والمقابر الجماعية، فجاء الى بيروت رغبة بالذهاب الى كردستان حيث فصائل الأنصار تحمل السلاح بوجه الطاغية صدام حسين البعثي الذي يبطش بشعبنا ويدمر الوطن.
كانت بيروت محطة عابرة بالنسبة للقادمين من الدول الاشتراكية من طلاب وشباب لبوا نداء الحزب بالكفاح المسلح وقدموا زهرات شبابهم في سبيل المباديء النبيلة، عمل غازي فيصل معي في مكتب التوجيه المعنوي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين كعمل مؤقت لحين تسفيره لجبهة النضال.
ترك غازي فيصل طفلته الوحيدة وكانت بعمر عام ونصف مع أمها الجيكية ولكنه كان يتواصل معهم تلفونيا..
لم يكن عمله بالشؤون الاجتماعية مثلي إنما عمل بمجلة المقاتل الثوري التي تصدر من دائرة التوجيه المعنوي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فكنا نتحاور ونكتب في تلك الجريدة عن شؤون المقاتلين وتنشر المجلة آراء ومواقف القادة وقصائد وكلمات الأدباء المنضوين تحت لواء الجبهة .
ثلاث أسابيع فقط حين جاء غازي فيصل وبدأ العمل معنا في الطابق الرابع من بناية رحمة وكان أيضا يسكن في الطابق السادس من ذات البناية.
في غالب الأيام يكون في مكتبنا سبع موظفين، أما أنا فقليل ما أبقى فيه حيث أذهب لزيارة الجرحى في المستشفيات أو أزور عوائل الشهداء أو غيرها من المهام الانسانية التي انيطت بي، كنت أزور الجرحى يوميا بعد الحصول على أسمائهم والمستشفيات التي يرقدون فيها من الطبابة في الجبهة وذلك لأعرف مشاكلهم وحاجاتهم وعلاجاتهم ونفسياتهم لأرفع معنوياتهم ثم أكتب عنهم لتكون لدى قائد القوات المسلحة الراحل ممدوح نوفل وهو المسؤول الأول والمباشر عن التوجيه المعنوي صورة واضحة عن كل مايخصهم حيث الحرب تآتيني يوميا بقائمة أسماء لجرحى جدد وشهداء وأوجاع لاتحصى ..
يوم 17-7-1981 الذي لن أنساه ما حييت حيث دخلت المكتب كان غازي فيصل فرحا جدا بادرني بالسلام وهو يبشرني بصدور العدد الجديد من المجلة بعد عمله في تحريرها قائلا سيكون مقاله بعنوان( نيكاراغوا الثورة) مقالا رئيسيا في المجلة وهناك رفيق نزل الآن للمطبعة لجذب نسخ العدد.
كان فرحه طفوليا، حيث أحب أن يكون عمله عملاً أدبيا، يناضل من خلاله بالكلمة دونما حمل السلاح، فالكتابة والصحافة كانت الأقرب الى روحه حتى أعتقدت أنها خطفته ليبقى في بيروت أطول مما كان قد قرر.
ذلك اليوم أردت البقاء في المكتب لكتابة تقارير مطالبة بها في عملي لولا أن تلفونا جاءني من جريحين يريدان سلفة قبل موعد الراتب فاضطررت للاتصال بمكتب الذاتية وبمسؤولها سهيل الناطور الذي كان حريصا على مال الثورة، ولم يكن يقتنع بسرعة ولا يتساهل بمنح السلف للمقاتلين..
لكن شيئا غريبا حصل ذلك اليوم حين اتصلت بسهيل الناطور أجابني فورا على غير عادته بالايجاب ولم يناقشني قائلاً:
رفيقة تعالي لتأخذي لهم السلف.
كل الموظفين في المكتب خرجوا وأنا منهم وبقي غازي فيصل بعد أن أحضر شايا عراقيا من بيته، جالسا بالمكتب منتظرا عدد المجلة. 
كل الموظفين رتب لهم القدر تلك الساعة سببا للخروج من المكتب بشكل عجيب غريب، عدا غازي فيصل بقي ليتلقى الصواريخ الاسرائيلية بجسده وروحه أعزلا، غريبا، وحيدا.
لم ير غازي فيصل العدد الجديد بعد ومقالته الأولى به.
كان العدد في المطبعة في قبو البناية حيث الصواريخ (جو أرض ) قد دكت البناية نزولا الى ما تحت الأرض لتستشهد العروس العراقية الشيوعية ثائرة فخري بطرس التي تعمل هناك ولم تكمل إلا بعض أشهر بعد عرسها. 
استشهدت ثائرة عروسا جميلة فجعت قلوبنا، واستشهد غازي فيصل فرحا بالبذل والعطاء..
رحل كما جاء خفيفا، محبوبا، مناضلا، وحيدا، منسيا لاجثة له فوضعوا صورته الوسيمة على عمود خشبي كشاخصة تشمخ بلا قبر في مقبرة الشهداء ببيروت، رغم أن صورته كانت بلا جثة لكن حضورها كان طاغيا في المقبرة.
أتذكر في التشييع كانت بجانبي شابة فلسطينية نظرت الى صورته وهمست لي بحسرة:
انظري ما أوسم هذا الشهيد ياحسرتي عليه رجل رائع كأنه ملك في المقبرة..
لست أدري هل بقيت صورة ملك المقبرة الشهيد غازي فيصل حتى الآن تحكي ذلك العطاء المميز للشيوعيين العراقيين وتلك الجرائم المرعبة البشعة للاسرائيليين الصهاينة؟ 
14-2-2017

 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية