نافذة

التمويه في كتابة السيرة الذاتية ( بلقيس حميد حسن انموذجا) طباعة
التمويه في كتابة السيرة الذاتية( بلقيس حميد حسن انموذجا)

محمد الذهبي

لم يكد كاتب من الكتاب ان يضع قدمه على اولى سلالم كتابة السيرة الذاتية شرقيا كان ام غربيا، حتى تتفتق ذاكرته باحداث صغيرة وكبيرة وتفاصيل ربما تكون مملة في بعض الاحيان، فيهمل مايخجل منها ويبعث الآخر لعيون القراء النهمة التي تبحث عن دقائق الامور، لتجد ضالتها في مقطع اباحي يستخرج المكنون المكبوت منذ سنين، لم ازل اتذكر ابنة الجيران الصغيرة التي كنا نلعب انا واياها عريس وعروسة، ولم ازل اتذكر الاخرى التي كانت تطفىء لظى شهوتي وهي لاتعلم اني اتلذذ حين اضمها بقوة، فاعتادت ان تأتي يوميا، ومجيدة المخبلة التي قتلها اخوها غسلا للعار بعد ان اعتدى عليها مجموعة من الشباب من الذين يهرولون خلف الحمير ، لنستيقظ في الصباح ونجد الاتان مشدودة الايدي والارجل، لقد استباحت بلقيس حميد حسن حمى ذاكرتي عندما قرأت بوح القيثارة، ولي الشرف ان اكون من الاوائل الذين قرأوا الرواية قبل ان تطبع، فلاحظت ان الكاتبة لم تدخر شيئا وان كان بسيطا، ومن هذا المنطلق جاء تردد بلقيس في طباعة الرواية، وبصفتها كاتبة جريئة اقدمت اخيرا لتنشر غسيلها كما يقولون وقد تضمن نصا لحياة كاملة ابتدأت بالخرافة وانتهت بالحقيقة المرة، مرت الكاتبة خلالها على حقبة زمنية ظلت طي النسبان، مع العلم انها اقذر فترة زمنية يشهدها شعب من الشعوب، ومع هذا فانا الوم بلقيس على انها لم تجهر جهرا كافيا ولم تعط مساحة كبيرة لما فعله صدام على الاقل بالشيوعيين.
لم تذكر الا قصصا بسيطة لعطشان الذي ثقبوا يده والسياسي الشيوعي الذي جذبه سمعه الى صوت امرأة وكانت من المومسات، وحين سألها قالت انها عاهرة، وانت؟ قال انا شيوعي، قالت : ان الحكومة لاتقدر الا علينا وعليكم، ومن ثم اعدم في الثمانينيات، انا متأكد ان بلقيس سئمت روايات واحاديث النضال، وارادت ان تكتب شيئا للقراءة، وليس ليوضع في رفوف المكتبات للفخر انها كانت تنتمي للفكر الفلاني، ارادت لنتاجها ان يكون انسانيا يمتد عبر مرحلته الى مرحلة اخرى اكثر خطورة، وربما تكون الملحمة سيرة ذاتية لشعب ما،تأتي على لسان حاكي يستعرض خلالها مرحلة من مراحل تكوين وصيرورة شعب من الشعوب، وبحكم اغتراب الكاتبة الطويل، فانها قد اختارت الذاكرة كثيمة للتداعيات الاولى في كتابة النص في الاحاطة بمدينة طفولتها، حيث احتلت الطفولة مساحة كبيرة لديها، ومن ثم عبرت مرحلة الطفولة بسرعة الى مرحلة خطرة كانت فيها بطلة الملحمة التي يراد لها ان تكون بهذا المعنى، فاقتصرت على احداث توقفها في سيطرة حدودية مع تركيا، مع العلم ان المكان الذي قضت فيه يومين او ثلاثة لدى ضابط السيطرة مع عائلته، كان سيكون مسرحا لاحداث كبيرة لولا تقيد الكاتبة بحرفية كتابة السيرة الذاتية والاتخرج الامور الى مستوى آخر يبتعد عن واقعية الحدث، دائما نجد ان كتاب السير الذاتية اشخاصا مهمين، وتكون اهمية الكتابة باهمية الاسرار التي يفضحها الكاتب فتطول شخصيات عامة وخاصة، وفي كل صفحة تقرأها مع بلقيس تحسب انك ستجد اسما مهما ستقوم بلقيس بفضح تورطه في اعطاء اسمها للامن، او الوشاية بها لدى الدوائر الاستخبارية، ولكنها لاتفعل تترك الامور على ماهي عليه، لتسحبنا الى عالم الطفولة الزاخر في مدينة الناصرية، الى المرأة العمياء التي اعتدى عليها ابن عمها، او المجنونة التي قتلها اهلها غسلا للعار.
مادرجت عليه بلقيس كان كالفخ الذي يستدرج الطريدة( القارىء)، وعندما يستطيع القارىء ان يميز بعض الاحداث، ويكتشف بعض الخيوط، تطرق الكاتبة موضوعا آخر يبتعد بذهنه ليتخلى عن اكتشافه الاول.
منذ البداية تعرف انها سيرة ذاتية ( هروب الموناليزا)، او الى ذكرى صديقتي موناليزا امين، ومن مايلفت النظر ان قيثارة البوح قسمت الى اوتار، وتر للعشق ووتر للروح، والوتر الهارب، وكانت البداية توطئة تعمدت بلقيس ان تسميها ماقبل البوح، فالوتر الهارب اول الاوتار الذي تتعرض فيه الكاتبة لما تعنيه لها عيون رجال الامن، وكيف انهم يستطيعون قراءة ماخفي عن طريق نظرة او ارتعاشة يد او تهدج صوت، ويبدأ التاريخ مع عام 1979 ، العام الاكثر دموية في العراق، والذي شكل بابا مفتوحا للدخول بحرب مع ايران بعد القضاء على الاحزاب المعارضة، وهو العام الذي بدأ بتسلط صدام حسين؛ هروب الموناليزا كان هروبا حقيقيا من واقع محير، حيث كان الهارب محسود في ذلك الزمان، والابطال حقيقيون كانوا اصدقاءنا واقاربنا ومعارفنا، وانا لا استبعد ان تكون بلقيس هي سومر وسومر هي بلقيس، وسومر هي المرأة العاشقة، ربما تتداخل الصور والمعاناة فنذهب بمخيلتنا بعيدا، وكذلك ربما يكنّ محضيات بابل على مقربة من الكاتبة حين يهبن انفسهن للكهنة، لتعود تترنح تحت وطأة جمالها وتحسد اصابعها مرة ثانية، ولا اصابع اخرى تمر على ذلك الجسد المتوثب، وتصف العالم انه نافذة مفتوحة للشباب، اما هي فالاعوام تسير وهي متوقفة قريبا من اساطيرها وحكايات وتفاصيل بقيت عالقة في الذاكرة.
حين تعرج بلقيس على اعتقال النساء تطرق سمعنا وتضع امام اعيننا صورة المرأة العراقية المستلبة التي تعاقب من الاهل والسلطة والاخ والزوج بمجرد انها تفكر في الولوج الى عالم السياسة، حيث ذكرت اسماء حقيقية لنساء يساريات ، مع العلم ان العمل السياسي للمرأة يعني الخوض في قضية مهمة هي الشرف، حيث درجت اجهزة النظام السابق على ترهيب الناس بتهديدهم بشرف نسائهم، خصوصا في مناطق جنوب العراق، فما بالك ان كانت المرأة هي السياسي، ستكون صيدا ثمينا للعاب رجال الامن الشبقين، حيث تتناقل القصص امكانية هؤلاء الرجال الجنسية وانهم يستخدمون الجنس للتعذيب.
لقد افلحت بلقيس حميد حسن باستدراجنا جميعا لقراءة واقع عشناه، ولكنه بهرنا عبر اسلوب جميل كانت تتقاطع من خلاله الصور والحكايات، ولكنها ربما نبهتنا الى حقائق كثيرة كانت قد غابت عن اذهاننا، واكتشفنا في النهاية اننا لوهربنا مع بلقيس في هروب الموناليزا، لكنا غادرنا كثيرا من الالم خلفنا، ولكننا سنكتشف عاجلا ام آجلا ان لنا اوتارا ايضا وستجبرنا قيثارة البوح على البكاء والضحك معا عند القراءة.
 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية