نافذة

قصائد الشاعرة بلقيس حميد حسن.. تجاوز التشكيك في إشكالية الذكورة طباعة

قصائد الشاعرة بلقيس حميد حسن.. تجاوز التشكيك في إشكالية الذكورة

جاسم المطير



في قصائد الشاعرة بلقيس حميد حسن.. تجاوز التشكيك في إشكالية الذكورة / جاسم المطيرحين أنهيت قراءة كتابي هذا اليوم واجهني سؤال سريع هو: هل يمكن أن يكون الشعر في هذا الزمان الصعب قادراً على خلاص الإنسان من كآبته ....؟ الكتاب المعني، هنا، هو آخر ديوان شعر للشاعرة العراقية المقيمة في هولندا بلقيس حميد حسن المعنون "أجمل المخلوقات رجل" الصادر عن دار ميزوبوتاميا – بغداد عام 2013. في أغلب الشعر العربي، منذ قديم الزمان حتى اليوم، حملتْ قصائد الشعراء حواراً ومشاهد ونقاشاً من خلال إظهار (حب الذكر إلى الأنثى) والخضوع، غراميا، لجمالها ولصفات عينيها ونهديها وردفيها وساقيها في محاولة لإبقاء عقدة تبعية المرأة للرجل رغم كل ما كانت تعانيه وما زالت من حالات التهميش والكبت والإقصاء والقهر والإكراه والهيمنة والعنف. القليل جدا من الشعر العربي كان خارج هذا النمط.
غير أن إحالات قصائد بلقيس حميد حسن في ديوانها الجديد كانت مغايرة تماماً من حيث التعبير عن الهوية والزمان والذات الأخرى (الذكورية). ففي الصفحة السابعة من الكتاب نقرأ قصيدة بعنوان (إليك) جاء فيها: (مولاي الأمير/ حصاني العربي الأصيل/ ما الذي أوجعك وأرخى قدميك الرشيقتين/ جامحاً كنتَ/ متمردا صاخب النبض/ أية حيرة أربكت حوافرك/ أية فاجعة منعتك الجري من حولي/ حارسي الوسيم/ أي سكون اختطف خوفك عليّ/ وأية سحابة أمطرتك بَرَدا وجللتك بالثلج/ أراك اليوم بعيداً/ عائداً إلى بيتك عجلاً/ كمرتد أعلن التوبة وأحرق كتب الحيا?/ تُغلق الباب حيث جاءتك الريح..).
في هذه القصيدة وفي قصائد عديدة تضمنتها غالبية صفحات الديوان يمكنني تأشير ما يأتي:
1- وجود اتجاه لدى الشاعرة نحو الدراما الشعرية الرومانتيكية، أنظر قصيدة (أعلن موتي) ص 11.
2- ظهور بُنى سردية في بعض قصائدها قائمة على هيكل السيكودراما. انظر قصيدة (واستحضرك انت) ص 30 وقصيدة (سر الأنثى) ص 32 وقصيدة (سأكون أنت) ص 34 وغيرها الكثير.
3- تأكيد استقلالية (الذات الأنثى) في التعبيرية المعرفية قصيدة (درب المجرة) ص 83.
4- مواصلة بحث الأنثى عن مكانها في مجتمع متشكل بنمط ذكوري متسلط ، ليس فيه ممارسات والتزامات إنسانية مشتركة. قصيدة (حقوقي) ص 68 وقصيدة (روحي) ص 76.
هل يمكن للشعر أن يكون مونولوجاً داخلياً في لحظة زمنية معينة..؟ هل يمكن أن يكون الشعر طاقة ً ذكية ً تفتح أبواب الأمل والحب لإنسان العصر الحديث، الذي لا يفتأ عن الدندنة في دروب لا يجد فيها غير حصون مغلقة يتشظى كل شيء في داخلها ...؟ لعل من الضروري التلميح إلى ما أوردته الشاعرة الفيلسوفة الإيطالية المولودة عام 1931 في قصيدتها (من أرض الحب) التي قامت بترجمتها الدكتورة أسماء غريب :
أنا لست في حاجة إلى المال
ولكني أحتاج مشاعر وأحاسيس
أحتاج كلمات، كلمات مختارة بعناية
أحتاج زهورا يسمونها أفكارا
وورودا يسمونها حضورا
أحتاج أغنيات ترقص لها التماثيل
ونجوما تهمس في آذان العشاق...
أحتاج شعرا، هذا السحر الذي يحرق ثقل الكلام.
هذا السحر الذي يوقظ المشاعر
ويمنحها حرارة جديدة.
*****
هكذا هي الحقيقة دائما:
شر الناس هو الذي يهوى بك ويحط من قدرك
وهو الذي يبني لك وراء باب موارب
محرابا من الكره.
ولكن حب الناس البسطاء
يلمع أكثر من أي فلسفة.
الفقير فقط يعطيك كل شيء
ولا يمن عليك أو يعيرك بجبنك
تـُرى هل حاولت الشاعرة بلقيس حميد حسن في ديوانها الجديد أن تكون رومانتيكية هرباً من الواقعية العراقية المعاصرة أم أنها تحاول التبحر في دراسة جنس الرجال وعواطفهم ومشاعرهم لتسجيل صور خيالية معينة غير مبالية بسواد الرجال المعاصرين وعاداتهم ورسالتهم التجريدية وغاياتهم الإنسانية.. هل تعمدت العناية بالصور الشعرية في وحدتها العضوية أم أنها أهملت روح الشعر للتمسك بالمعنى الحديث للرومانتيكية الذاتية..؟
لقد قامت الشاعرة بتصوير نموذج لرجل تتمثل فيه مجموعة من صفات (المحبوب) وفضائله تتضمن مجموعة من عواطف مختلفة من نماذج الرجل في قصائد فنية نابضة بالحياة وبصور سايكولوجية واضحة المعالم بنموذج إنساني عام مأخوذ من مصادر متنوعة.
تـُرى هل يكون الشعر علاجاً تقليديا لمعاناة الوحدة والاغتراب..؟ هل صار الشعر رهاناً أم يظل طاقة إبداعية يمارسها الشاعر ..؟
الاهتمام بشكل القصيدة ونظامها وترتيبها وضرورة تحاشي الفوضى والتشويش في معاني الحداثة وقدرتها على إنجاز مهمة المتلقي كان توظيفا متعدد الغايات في غالب قصائد الديوان، له قوة فعالة لإنشاء هوية أخلاقية قيمية للمرأة العراقية قدّم،بذات الوقت، سؤالاً مهماً عن الشعر باعتباره وعيا إنسانيا ، واقعيا ، كي يظل شيئاً رمزياً دلالياً ..
هل كان الشعر وجوداً لإثبات الذات وإثبات وجود الشاعر أمام عالم الأشياء الإنسانية، المنظورة وغير المنظورة ...؟ في هذه الفترة ، خاصة بعد نيسان عام 2003، لم تتوقف كلمات الشعراء العراقيين في أفواههم ولم تتجمد الأفكار في عقولهم مثلما كان حالهم المفجع تحت ظل دكتاتورية صدام حسين حين صار غالب الشعر تابعا للسلطة وأهوائها الجاهلة. نشهد الآن نشاطاً شعرياً واسعاً متدفقاً، باسم الحداثة وما بعد الحداثة، على الساحة الثقافية العراقية الواسعة. نحن نشاهد ونسمع ونقرأ، كل يوم، ما يسر ويفرح، في بغداد والمحافظات الأخرى. لا ش? أن هذا التدفق يحمل مع غرينه كثيراً من الوحل، الذي لا يمكن اعتباره شعراً. صار الشعراء الناهضون في هذا الزمان العراقي أحراراً في مرحلة انتقالية ولـّدت معهم أساليب شعرية جديدة تقودهم من طور الى طور. ربما تبدأ بغموض بعض المعاني، لكنها بالنتيجة تحقق نهوضاً شعرياً يكتسب الصفة الإجماعية تدريجياً. من هؤلاء الناهضين نجد بلقيس حميد حسن تستخدم في ديوانها الجديد معرفة شاملة بالحرية الشعرية ، معنية بما فعلته الآثار الخالدة لأشعار القدماء من أمثال بشار بن برد وأبي نؤاس وإضرابهما وبالمحدثين من أمثال نزار قباني وأضاربه. ?ا يتصادمون مع السلطة القائمة بعنف الكلمة كما كانوا في الزمان السياسي السابق، بل يتصادمون سلمياً، رافضين الوقوع ضحايا لنفوذ المتحكمين بالشعر وأهدافه سواء كان مثاله الشاعر موفق محمد أو أي من إضرابه (داخل الوطن) أو كانت الشاعرة بلقيس حميد حسن أو أي من مثيلاتها (خارج الوطن). صارت الحرية زهوراً ملونة للقصيدة النابعة من أعماق كل شاعر حر، من أعماق كل صاحب مبدأ أو صاحب فكر مستنير .
صار للشعر والشاعر دور في عملية التنوير رغم محدودية هذا الدور في الزمان الحالي. في مرحلة ما بعد الحداثة أخذت المفردة الشعرية دورها في العقل الشعري وفي العاطفة الشعرية. كلاهما العقل والعاطفة نجدهما ، معا، في مختبر المفردات الشعرية عند الشاعرة بلقيس حميد حسن في محاولتها بديوانها الجديد الصادر في بغداد لصناعة شعر فيه نوع من الرفاهية لإبعاد القراء، من النساء والرجال ،عن تعاسة الواقع العربي الحالي، حيث يعيش الملايين من الفقراء العرب تحت خط العقل وتحت خط الفكر بسبب تنامي معدلات التنمية في ميادين الجهالة والأمية?كافة، بسبب إصرار بعض سلطات القوة الحاكمة على فرض الولاء على الشعراء والكتـّاب لضمان مديح أفعال وأعمال مصاهرة لعصور الجهل والجاهلية العربية الحالية .
هل قامت بلقيس بتحميل ديوانها الجديد (عنواناً) ذا قيمة شعرية فنية أو حمّلته شكلاً من أشكال الدعابة الشعرية..؟ لا بد من الإشارة إلى أنها مارست أصالتها الشعرية من خلال عنوان ديوانها. ربما أنها تمكنت بهذا العنوان من الإشارة بلا تردد إلى أن بيانها الشعري لا ينصرف إلى رجل معين، بل كان شكلاً من أشكال الاستنباط إلى علاقات المساواة بين المرأة والرجل باتجاه الظروف الاجتماعية حتى الغرامية منها ضمن قواعد الأدب الخاص المستمد من حريتها الثقافية وهي حرية لا تخلو من حكمة تدفعها إلى استخدام مفردات شعرية وتراكيب شعرية لا?تتناولها غير قلة من الشاعرات والشعراء العراقيين والعرب.
الشاعرة بلقيس حميد، هنا في هذا الديوان، عبرت عما يختلج في نفسها من معانٍ، مباشرةً أو بصورة غير مباشرة.
هذا هو الشعر حقاً حين يتحسس الشاعر عواطفه في ظروف مختلفة بما فيها ظروف الوحدة والغربة وصراع الوطن مع نفسه. كانت بلقيس قادرة فعلا وإحساساً أن ترونق تعبيرها ومزاجها وبناء صورتها الكيانية بنفس ٍ صادقة ٍ ولو بلمحات متقطعة داخل أبيات شعرية من أعماق ذاتها بما طبعت شخصيتها من لطف ورقة قائمة على اخلاق مهذبة، بتركيزٍ صحيح ٍ بعيدٍ عن السطحية الشعرية المنتشرة في الكثير من الشعر العربي في هذه الأيام، حيث يعود كثير من بقاع العالم العربي إلى زمانية البداوة الجاهلية القديمة ، يراد فيها ومنها إبقاء المرأة العربية، تاب?ا للذكورة ، في بيئة نسائية قاسية، حتى بعد ثورات الربيع العربي، إذ ظهرت، بإسراف، مزاجيات جديدة للضغط على حرية المرأة العربية بأشكال متنوعة لترويض انطلاقة حركة حريتها نحو ممارسة الديمقراطية السياسية لإبعادها عن كل جديد في إنسانية عصرنا الراهن لإبقائها داخل صورة الإعرابية القابعة داخل إطار خيمة البيت والمطبخ والقيم القديمة، من دون توفير الأمن لحياتها الاجتماعية والإنسانية والسياسية وبحساب بالغ الشدة لمختبر عقلها وأفكارها حيث تظل بلا حرية وبتعاسة عبودية البيت من دون حب حقيقي.
الشعر في جوهره هو أحد أشكال القول، أحد أشكال فنون التعبير، الذاتي والجماعي، وقد ساعد هذا المفهوم الشاعرة بلقيس حميد على خلق فضاء شعري افتراضي يقوم على خلق التفاعل الواسع في النقاش وتبادل الرأي بنوع من البلاغة الشعرية مع ذاتها، معتمدة على نوع من الممارسة الخطابية الذاتية المليئة بالصور والرموز، حيث المحاكاة والواقعية لتحريك عقل المتلقي، السلبي خصوصاً، واستثمار الحداثة الشعرية في تعميق التجربة الذاتية لتجاوز القيود والنزعات الاجتماعية من أجل تحقيق القول الحر . ظلت تحاول البحث بكل قصائد ديوانها عن الموقف?الأفضل في أن لا تكون شاعريتها ساكنة في مكان محدود ، بل في أمكنة مؤثرة عند المتلقي، مستخدمة حساسية الشعر والأسلوبية الحرة الحديثة، بالتفاعل الحر ، بوعي قائم على عدم إقصاء وتهميش المرأة عن تبادل التأثر والتأثير، بينها وبين ذاتها الشعرية، بينها وبين المجتمع . اختارت الشاعرة حالات عديدة مأزومة ، نفسياً واجتماعياً، فقد دفعت بها إلى متون عدد من قصائدها للتعبير عن بعض الخيبات والتعاسات والأزمات النفسية، التي تعاني منها المرأة العربية، في ديوانها (أجمل المخلوقات رجل) . لا أدري هل هي سايكودراما من السيرة الذاتية أم هي جزء من الفضاء السائد حول المرأة العراقية نتيجة سيادة نظام عدم التكافؤ بين حقوق الرجال والنساء في الوطن العراقي؟.

 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية