نافذة

صراخ الجثث في "مشرحة بغداد" لبرهان شاوي طباعة
صراخ الجثث في "مشرحة بغداد" لبرهان شاوي

بلقيس حميد حسن
أول مايصطدم القاريء وهو يقرأ "مشرحة بغداد" للكاتب والشاعر د. برهان شاوي, بأن مشرحته ليست مكاناً للجثث الميتة التي يـُنتظر معرفة أسباب موتها البايولوجي, بل هي أكبر من دلالة المكان, فقد نرى فيها زمنا ميتا, وجثثاً تحكي قصص موتها وأسباب وجودها في هذا المكان, كذلك يرقد على نقالات تلك الجثث زمن عراقي رأيناه وقرأنا عنه بل ولمسناه -نحن الأحياء- لذا لا يستغرب القاريء بأن الجثث تتحدث وتتحرك وتطارد قاتليها, فهي ليست الضحايا التي تبحث عن وجوه القتلة فحسب, إنما هي تحاكم فترة زمنية ما زلنا نعيش وجعها كل يوم.
تبدأ رواية مشرحة بغداد بفصل واقعي! يخرج عن واقعيته لفرط فنطازيته, فالكاتب يرسم لنا مشهداً بلغة سينمائية تتركز كامرتها "بزوم" قريب جداً على الأحداث, حيث يتحدث الفصل الأول عن عملية ذبح تقوم بها عصابة غامضة الملامح لصبيّ لا يعرف تهمته, بل إن العصابة نفسها تلقنه التهمة تلقينا معاهدة إياه - إن أقر بها – سينال البراءة, فما أن يستجيب إلى طلبهم حتى تعلن العصابة عن ثبوت التهمة عليه, فيقوم أحد أفرادها بذبحه في بانيو الحمام.
ما يلفت نظر القاريء, إن هذا الصبي"هادي" هو الوحيد في شخصيات الرواية يحمل اسمه الحقيقي, بينما جاءت شخصيات الرواية الأخرى تحمل اسما واحداً" آدم" للمذكر وحواء للمؤنث. يدرك القاريء من إصرار الكاتب على تسمية شخصياته بهذين الاسمين لإضفاء صبغة وجودية على مسار أحداث الرواية.
وهنا قد يطرح القاريء سؤالا, لماذا كان الصبي في الفصل الأول وحده قد احتفظ باسمه, دون بقية شخصيات الرواية, أعتقد أن الكاتب أراد أن يشير الى إن ما يجري في العراق على الرغم من فرط واقعيته, يصعب على المتتبع أن يفسره تفسيراً واقعياً فلذا التجأ الى إضفاء صبغة أسطورية على مفصل تأريخي لا زلنا نعيش جزئياته.
إن لجوء الكاتب الى الأسطورة أتاح له حرية فنطزة الواقع لكي تتحرك شخصيات روايته في مساحة أكبر من التأويل, فلا نستغرب بأن الجثث تتحدث عن ماضيها وتستمع إلى بعضها مثلما يتلصص الحارس عليها من بين الممرات والذي نكتشف نهاية الرواية دونما صدمة بأن حارس المشرحة هذا" وهو الراوي أيضا" هو الآخر قتيل بطلقة في جبهته يكتشفها طفل قتيل آخر حيث تنتهي الرواية بمشهد الجثث وهي تسير على الجسر وفي شوارع بغداد.




لقد شرّحت مشرحة بغداد كل الخراب العراقي الحالي, أسبابه, نتائجه التي أولها خراب الذمم حيث لم نعد نعرف أين هو السياسي الشريف؟ وهل كل من عمل بالسياسة دجال؟ وهل السياسة حقا لعبة مصالح, وقناع بدونه لا يستطيع السياسي البقاء طويلاً ولن يحقق صعوداً بكراسي ومناصب المحفل السياسي؟
أخذتني مشرحة بغداد لشكوى الضحايا التي لم نسمع بها إلا لماما, حياتهم العسيرة, وكأنهم نباتات ضارة تعيش على هامش الدنيا, عرفنا كل أسرارهم, وعرفنا الشيء الكثير من اللعبة, حيث كشفت المشرحة شعبا مات منذ زمن وماعاد للخروج من المقابر كل ذاك التوق عنده, حتى لو أنه خرج نراه يترك الباب مفتوحا, أو موارباً للعودة لمشرحته ونومته الأبدية. المشرحة شرحت ما حصل في العراق بدقة متناهية وبقلم شاهد عاش الأحداث عن قرب.
أكثر ماشدني فيها هو أن أهل السياسة علـّبوا المرأة بعلبٍ, ولفّوها بورق ملون كهدية تهدى بالمناسبات السياسية, كمقابل للمصالح, وكورقة سوداء للعب بها ساعة الخطر, حتى شعرت أن كتاب التراث الشهير" عودة الشيخ لصباه في القوة على الباه" متغلغلاً في نفوس أغلب السياسيين العراقيين, يجري بدمهم ليعبثوا بالفرص لصالح شهواتهم, والنتيجة كما نراها تراجعاً في شتى مجالات الحياة" أحد العاملين في المشرحة يمارس الجنس مع جثة امراة جميلة, بل إن حارس المشرحة يقضي ليله بعد انتهاء نوبة حراسته بمشاهدة أفلام البورنو.
عجبا! هل هي سنوات الكبت البعثي حيث تم إخصاء الرجال لصالح القائد الأسطورة وأبناءه وأخوانه الفرسان الذين يصولون ويجولون على أجساد شابات العراق غصباً وانتهاكاً للأعراض وقهراً لذويهم في كل أنحاء البلد من شماله الى جنوبه؟
مالذي حصل في المشرحة؟
وما الذي يعيق خروج الأموات وماهم بأموات؟
ومن أين جاء ذاك الوحش الراقد أمام الأبواب, يرعب حارس غابة الجثث, كما كان حارس غابة الأرز يرعب أهل أور في ملحمة جلجامش ويعيق استمرار الحياة ليصبح القرار قلقاً, هزيلاً, لا يستطيع من الخوف فتح الأبواب؟
كيف استطاع ذاك الوحش, الظل, منع الشاهد الوحيد من الخروج خارج المشرحة ليقول كلمته الحق؟

ها أنا أراهم, يخرجون أمواتاً من المشرحة, الحارس كان هو الشاهد الوحيد, والحارس الميت هو الصادق, وهم يتربصون به, أما من استمر باللعب بمصائر الجثث فهو لازال هناك في المشرحة وعلى سدة الإدارة, وفي وسائل الإعلام, لا زال يكيل التهم للحارس البريء, لازال المخاتل آمراً, يتنعم بالملايين, ولا زال الأيتام – أبناء الشهداء- ينتشرون ببيوت الصفيح والبرد.
كل الأبواب التي أخافته اقفالها تفضح أسراراً مرعبة.
هل ستكون الأسرار يوما ملفات على طاولة المحكمة الدولية؟
هل ستنتفض المشرحة مرات أخرى ويخرج العراقيون للحياة محطمين المشرحة, سائرين بأسرع من "الزومبي" الذي اشتهرت به أفلام الرعب الأمريكية؟
هل ستكون أنّة برهان شاوي في المشرحة دعوة لبدء نشور عراقي جديد؟
لم يكتب المبدع برهان شاوي رواية فقط, أو قصيدة رثاء لشعب يتمنى قيامته من الموت,  إنما اشتغل في تعدد مواهبه, فهو شاعر مبدع لديه سبع مجموعات شعرية، وأربع روايات، ويكفيه تلك السلسة الروائية من المتاهات التي سوف أفرد لها دهشة أخرى بمقال آخر فروايات برهان شاوي لا تجمع بمقال واحد, فلكل رواية متعة وفائدة لا تشبه سواها,فقد تميز باستمرار ابطاله الذين يتشابهون باسم آدم وبطلاته باسم حواء, وهو هنا لديه ألف سبب جميل لتلك التسمية قد تكون أهمها أن البشر يتشابهون بكونهم بشراً وهذا اعتراف عظيم ومطالبة للمساواة بين البشر, كما أنه تميز بالنقد الأدبي الذي يأتي على لسان بطل الروايات, وهو جديد يحسب للكاتب كفتح في إسلوب الرواية وإدخال عنصر النقد فيها, ليكون للقاريء أكثر من جنس أدبي واحد حينما يقرأ إحدى رواياته.. ولدى الكاتب كتابان أكاديميان في الإعلام ونظرياته، وكتاب فكري فلسفي، وكتب أخرى في الفنون الجميلة, فقد صدرت له حتى الآن 25 كتاباً.. وهو أكاديمي وفنان سينمائي, وهو رسام غير معلن عن موهبته.  
لست بناقدة أدبية لكنني أستطيع أن اقول إن الكاتب استطاع من البناء الفني المتماسك، والإمساك بالطقس الروائي المتوتر، بحيث يلتزم النص في جوهره بالوحدات الأرسطية من مدخل وذروة وحل، لكنه يؤكد على الجانب الملحمي في تفكيك الذروة وتحويلها إلى ذروات، وبالتالي يكسر حالة التوقع التي يصل إليها القاريء، فكلما يقترب القاريء من نهاية فصل ويعتقد ان الحل سيأتيه، يلقيه الكاتب في فصل آخر، يركض لاهثاً وراء تفاصيله ليصل إلى ذروة جديدة، لكنها ليست أيضا النهاية..بينما تأتي النهاية عبثية وكأنها تذكرنا بصموئيل بيكت, فالحارس ينتظر أن يأتي أحد ليخبره عن حقيقة موته, ولا يسمع سوى صوت الطفل – الجثة-  الذي يؤكد بأنه لا أحد سيأتي, لكن الكاتب آتى وقال الحقيقة, بأن الحياة في العراق ليست بحياة إنسانية.
إنها صرخة ضد الخراب الروحي الذي يعيشه الإنسان العراقي..
تحية الى المبدع المتعدد المواهب برهان شاوي.
هي مجرد كلمة دهشة وإعجاب لرواية عرفتُ من خلالها الكثير..
14-1-2012
 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية