نافذة

الى متى تبقى بلقيس في قفص الاتهام؟ Print
الى متى تبقى بلقيس في قفص الاتهام؟

وهل من ركائز عراقية جديدة في الشفافية وادب الحوار؟

الدكتور سيار الجميل

نعم، الى متى تبقى المرأة عندنا في محيطنا وثقافتنا عند مرمى الحجارة؟ الى متى تبقى متهمة وهي تقف في قفص الاتهام تدافع عن نفسها لوحدها من دون اي غطاء سياسي او اجتماعي، دستوري وقانوني يحمي حقوقها المعنوية بالدرجة الاولى؟ الى متى تبقى المرأة العربية مكبلة بالاغلال الثقيلة وهي لا تستطيع ان تتمتع بحقوقها الاساسية (ومنها: حرية الرأي) التي ضمنتها لها كل الاديان والاعراف وحتى التقاليد والاصول المدنية والحضارية؟ الى متى تبقى المرأة تتلقى سهام التجريح وهي ترمى بأعز ما تملك من قبل سلطة الذكور التي يستعرض من خلالها الاخوة الرجال عضلاتهم.. في حين يترتب على الرجال الحقيقيين ان يستخدموا حتى وان اختلفوا مع المرأة انجع الوسائل اللائقة في أي حوار او نقاش او اي صولات وجولات التي يعتقد المجتمع الذكوري بأن سلطته القمعية قادرة على ان يفعل من خلالها ما يشاء كونه يتمتع بها على عكس مجتمع الاناث الذي يعتبره مضادا له ولم يقتصر على ذلك، بل يعتبره اقل منه شأنا في كل مناحي الحياة.
لماذا الشاعرة بلقيس؟
بلقيس ليست رمزا احاديا، وهي ليست الوحيدة في الميدان وربما كانت نموذجا حيا للمرأة العراقية التي لم تزل تلاحقها المعاناة.. لكنها ستغدو رمزا في قابل الايام.. رمزا يولد من بين كل التشظيات التي يحيا عليها العراق، ويعيشها كل العراقيين ! لقد اخترت موضوع بلقيس لأنه اثار عندي جملة هائلة من الافكار وانا اتابع سلسلة من الكتابات العراقية المثيرة التي هي بامس الحاجة الى وقفة تأمل.. وسيكون موضوع الشاعرة العراقية المعروفة بلقيس السنيد نموذجا حيا للحالة التي يعيشها المثقفون العراقيون في هذه المرحلة الصعبة التي خرج فيها العراق من تحت سطوة الطاغية ليدخل مرحلة صعبة جديدة، فاذا كان العهد السابق قد جمع العراقيين على هدف واحد، فلقد فرقهم العهد الجديد الى مجموعة هائلة من التشظيات التي هي بامس الحاجة الى العقلاء والحكماء من ابناء وادي الرافدين لرأب الصدع والتوّحد على اهداف حيوية ومصيرية جوهرية برغم اختلاف التيارات والاتجاهات لا السياسية والايديولوجية، بل الدينية والطائفية.
نعم، اكتب اليوم مقالي هذا بعد ان تابعت بكل اسف ردود افعال بعض الاخوة الكتاب العراقيين على مقالات السيدة الشاعرة العراقية بلقيس حميد حسن، وهي مثقفة متميزة من جيلنا ولم اعرفها ولم التق بها شخصيا ولكنني اتابع قصائدها وانشطتها الثقافية وفعالياتها السياسية من خلالها عضويتها في منظمتنا الوطنية للمجتمع المدني وحقوق الانسان، وأجد لزاما علّي ان اوضّح للسادة القراء الكرام بأن ما نالته السيدة بلقيس كان من القساوة بمكان خصوصا وان اداة التجريح اذا ما استخدمت باسم النقد والحوار فسيكون لها اثرها المضاد وكوسيلة في القمع والاضطهاد علما بأن من كتب ضدها من الاخوة المثقفين العراقيين المعروفين (او حتى من قام بالتعليق المختصر الجارح على ما نشرته هذه السيدة في ايلاف) يدركون جميعا ان للحوار اصوله وقواعده دون تفصيل مني.. ولكنني وجدت ان باب حرية الرأي والاختلاف لم يزل موصدا حتى في تفكيرنا ليس نحن العراقيين حسب، بل كل المثقفين والساسة العرب المعاصرين وسيكون انكى وامر اذا ما صدر عن اولئك الذين يؤمنون بالديمقراطية والحريات المدنية من جانب او اولئك الذين يتبنون التقاليد الدينية باسم الحضارة الاسلامية.. وان ما يؤلم حقا ان يستخدم البعض من المثقفين والكتاب وسائل شخصية للتجريح ضد كل من يخالفهم الرأي، بل ووصل الامر ببعضهم ان يستخدم التجريح والكلام البذيء ضد المرأة لأنه يراها لا تصلح للمشاركة في ان تدلي برأيها او ان لها الحق بنشر افكارها.. وهذا ما لم نجده في ثقافتنا العربية الحديثة لا في مرحلة الاستنارة وخصوصا عند جيل فترة ما بين الحربين العظميين ولا في مرحلة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات عند جيل بعد الحرب العالمية الثانية ! 1979 والدخول في النفق المعتم
لقد كان للاحداث التاريخية البالغة التي حدثت في العام 1979 تأثيرات كبرى في الذهنية والتوجهات.. ومن تلك الاحداث: الثورة الايرانية بقيادة الامام الخميني والغزو السوفييتي لافغانستان وتقّلد صدام حسين السلطة العليا في العراق واشتعال الحرب بين العراق وايران في العام 1980 وغيرها من الاحداث تأثيرات بالغة المدى على التفكير السياسي والاجتماعي والثقافي، فدخلت الثقافة العربية المعاصرة مرحلة تاريخية حرجة ليس على المستوى السياسي حسب، بل على المستوى الثقافي والاجتماعي في كل محيطنا العربي بل وحتى في عموم العالم الاسلامي، بحيث أخذ الرجل ينظر الى المرأة نظرة دونية اكثر بكثير مما كان المجتمعات المتخلفة تنظر اليها، ودخل الجيل الجديد مرحلة من تناقضات مريرة في التفكير والممارسات بحيث بدأت المرأة تتهم بشكل علني بل واخذت معاناتها تزيد مع تفاقم سلطة التخلف.. وأخذت تزحف تلك الاساليب المتحجرة الى مثقفي الشتات بعد ان زاد الزحف وابتليت الجاليات المهاجرة هي الاخرى بامراض التقوقع والاحادية والحنين الى كل بؤر التخلف واخذ الدفاع يأخذ منحى علنيا ضد كل القوى المستنيرة والمحدثة وضد تلك التي كانت تسمي نفسها بالتقدمية والطليعية ! ومما زاد في الطين بلة، عزلة الجيل الجديد عن القراءات للكتب والمجلات بعد الانغمار في مواقع معينة في الانترنيت واعتبارها وسيلة اساسية في الثقافة بحيث اجد ان عشرات الكتاب لا يعرفون يكتبون املاء صحيحا وانشاء جيدا خاليا من الاخطاء وبلغة عربية سليمة بحيث لا يفرق بين الضاد والظاء ولا يدرك كيفية الجزم او النفي او المضاف والمضاف اليه.. وهم يحاججون ويؤاخذون ويعتبر انفسهم من ذوي الباع في الفكر والادب ! ان هزال الثقافة العربية المعاصرة يأتي واضحا وبينا على كل جانبي الحياة عند العرب سواء كان ذلك في دواخل العرب ام في شتات العالم !
العراقيون بحاجة ماسة الى الشفافية
اكبرت في احد الاخوة بواحد من تعليقاته على مقالاتي او عندما ذكرني في مقال اخير له باعتباري واحد من اليسار المعتدل علما بأن آخرين يصفونني باليميني المتشدد وانا لا بهذا ولا بذاك، وليسمح لي اخوتي واخواتي من المثقفين العراقيين ان ادلي بدلوي في المسائل العديدة التي يثيروها احدهم ضد الاخر وبلغة لا نريد استعمالها او ان يستخدمها أحد ابدا وهو يحاور غريمه، فكيف اذا ما استخدمت ضد امرأة عراقية مثقفة وشاعرة ولها تاريخ سياسي نضالي حافل ضد الطغيان مثل بلقيس حميد حسن السنيد، وهنا يحق العتب خصوصا اذا وصلت درجة الهجوم الى التعرض للذات واستخدام ادوات التورية ضد الاخر فهذا غير مقبول ابدا ! ان المسألة لا تتعدى ان يكون البعض من الاخوة الكتاب المثقفين العراقيين ضد ما نشرته الشاعرة العراقية السيدة بلقيس التي تحدّثت عن رأيها الصريح برجال الدين مثيرة جملة من الاشكاليات التي ربما يختلف معها الاخرون فيثيرون ضدها عواصف لا تهدأ، لكن ليس من باب اعتباراتنا الاجتماعية ان نعمد الى ان نثيرها حربا شعواء فنصفها بالتطاول على المراجع الدينية في القرن العشرين من دون ان يدرك الرجال في مجتمعنا بأن المرأة لها الحق هي الاخرى في ان تبدي رأيها بشجاعة فهي مثلنا ما دمنا نعيش في مجتمع مدني وعلى الانسان المتلقي ان يتقبل كل خلاف في الرأي بين اثنين، وبعكس ذلك فسيفقد رصيده في المجتمع عندما يقلل شأن من يقابله باستخدام التجريح اداة لايذاء المشاعر وهي اداة استخدمها ناقد مهاجم آخر لها ضد الكاتبة نفسها من دون اي مبرر ومن دون ان يأتي بالحجة التي تنقض الرأي الذي لا يوافقه ونحن نعلم بأن المشاعر الانسانية هي فوق كل الاعتبارات ومن شيمنا نحن العراقيين التي اخشى ان نكون قد ضيعناها: احترام ما يقوله الاخر حتى يرد عليه ان كان قد اخطأ في شيىء او خرج عن الموضوع في شيىء آخر !
هكذا تعلمنا منذ الصغر في بيوتنا العراقية العريقة المعروفة بنزعتها الدينية والادبية وباصولها الاجتماعية والثقافية.. ونحن بشر ولا نمتلك العصمة ولا قوة الحق.. ولكن هناك فرق بين من يختلف في وجهة نظر وبين من يصر على معلومات خاطئة ! ومن قال بأن اي واحد منا معصوم من الخطأ؟ انني اقول بأن من ينبه الى خطأ في معلومة وباسلوب هادىء يمكن ان تتحقق نتائج عن ذلك غاية في الروعة، بل وتتوثق عرى ووشائج المثقفين المختلفين في ما بينهم بعيدا عن كل النزعات والاحقاد والمواقف المتشنجة التي زرعتها العقود الاربعة الماضية التي مرت على العراقيين.. وانا واثق تمام الثقة بأن من اخطأ سيتراجع عن ذلك برحابة صدر فالاعتراف بالخطأ فضيلة خصوصا وان خصال العراقيين انهم يقدسون الكلمة الطيبة والاعتزاز بالنفس وتزعجهم بل وتشعلهم وتدمرهم التعابير الخشنة والجارحة، ولكنني الى حد الان لم اجد ما يكتنف الساحة بأن مثل هذا الهجومات واستخدام القسوة لها ما يبررها ابدا!
ادب الحوار قبل كل الاشياء
وأريد بهذا المقال ان اوضح جملة من الملاحظات المهمة التي لابد ان يدركها كل الكتاب والمثقفين وخصوصا الاخوة العراقيين كما واريد ان اشير بمقالتي هذه الى جملة من القيم والاصول الاجتماعية التي لابد ان يتحّلى بها المرء وهو يحاور من يقابله بحيث لا يمكن الخروج عن الموضوع الى الذات وتصبح العملية مجرد تجريح ولما يزل العديد من كتابنا ومثقفينا يعتبرون المرأة انسان ضعيف خائر القوى لا يقوى على الرد ولا يقوى حتى على الاعتراف بالخطأ، فكيف اذا جاء الرد من شاعرة وصفها الذين هاجموها باوصاف تبتعد عن الموضوع الى مسألة الذات وكأن المسألة شخصية بين الاثنين والحقيقة ليست كذلك ابدا ولابد ان لا تكون كذلك !
وعليه، فليس من ادب الحوار استخدام التعابير الجارحة في هذا المقام، فهي الصفات التي يريد بها الخصم التهكم والسخرية فيخرج عن موضوعيته بتجريحه هذا، وهي اساليب اعتقد جازما بأنها لا تنم عن موضوعية بل وكأنه قد حّول الموضوع برمته الى مسألة شخصية وتأبى اي سيدة عراقية تحترم نفسها ان تسمع اية اوصاف حتى وانها كانت من باب التورية التي اعتقد اخوتي الاعزاء انها تسيىء الينا نحن العراقيين جميعا.. فما اجملها الاخوة العراقية بين رجالنا ونسائنا عندما يكون الانسان صافي السريرة نقي العبارة نبيل الروح بارد الاعصاب في التعامل حتى وهو في قمة درجات الخصومة.. ولا اعتقد ان اختلاف وجهات النظر الفكرية والسياسية وحتى في القضايا الدينية تصل درجتها بين المثقفين الى درجة الخصومة والتهجم والتجريح، فكيف اذا كان بين رجل يهاجم امرأة لاسباب يمكن التلاقي بسهولة حولها او الاختلاف عنها!
ثقافة بلقيس
عندما نخاطب بعضنا بعضا ننسى قيمة الانسان وننسى قدرة الاخر على المطاولة والتجمل بالاخلاق الفاضلة وقد تجعل العاطفة صاحبها مشحونا بالتمرد والقسوة بحيث لا يدرك تاريخ من يقابله ولا سيرته او نضاله السياسي.. اذ سمعت بأن السيدة بلقيس شاعرة واديبة ومثقفة متمكنة وانها تحفظ على ظهر قلب الاف الابيات الشعرية اذ ذكرت لي احدى صديقاتها بأن هذه الاديبة العراقية تحفظ دواوين كاملة من الشعر العربي القديم والحديث ولها مطاولتها في ذلك ولا يمكن لأي مثقف او اديب عراقي ان يبزّها في هذا الباب.. وان عالم بلقيس لم يكتشف حتى الان فليس من باب الشجاعة التقليل من شأنها ابدا ناهيكم عن كونها تمتلك سيرة ناصعة في النضال السياسي الذي ربما يجهله الاخرون وقصة هروبها من جحيم البعثيين منذ السبعينيات يعد تراجيديا كاملة سمعت بأنها تزمع الان كتابتها في رواية ادبية، ناهيكم عما دفعته من اثمان باهضة في داخل الوطن وفي شتات الارض.. فان من لها القدرة على اختراق الحدود بقدرات تفوق التصور سوف تزداد قيمتها لدى من يعي كل ذلك وخصوصا عند من يدرك بأن المرء ليس وليد ساعته بل يحمل فوق كاهليه تاريخا معينا فكيف بامرأة عصامية ترّبت في اسرة عراقية معروفة بقضاء سوق الشيوخ الغني بالتقاليد العربية الاصيلة وعلى يد اب فاضل عالم واديب متدين علمها كيف تتعامل مع هذه الحياة ولقنها فنون الشعر والادب والبلاغة وارضعها حب التراب وعشق النخلة وقراءة القرآن الكريم؟
واذا كانت قد انخرطت في عالم السياسة وغدت عضوة في الحزب الشيوعي العراقي في يوم من الايام القديمة، فان التصاقها بوطنها وترابها وعشقها للفقراء والمحرومين كان وراء ذلك كله.. فليس هي وحدها التي كانت لها مثل هذه التجربة السياسية من العراقيين والعراقيات، ولا اعتقد ان في ذلك عاهة او نقصا او شعورا بالاثم، ولكن لابد للمرء ان يتساءل وهو يهاجمها: هل ما زالت هذه الشاعرة العراقية شيوعية حتى اليوم، ام انها تركت العمل السياسي منذ امد بعيد؟ واذا كانت قد تركت شيوعيتها، فهل يا ترى لم تزل تبث الافكار الشيوعية؟ واذا كانت قد تخّلت عن شيوعيتها، فهل تخّلت عن وطنيتها وعشقها للارض والانسان والنخلة وقول الشعر.. وكتاباتها تنشر هنا وهناك واشعارها تعلن هنا وهناك !! ان من يؤمن بالديمقراطية الحقيقية والحريات الاساسية كاملة لا ينبغي عليه ان يعترض على الاتجاهات والتيارات السياسية قاطبة.. ربما ننتقد تطبيقاتها في مراحل معينة وبيئات معينة، ولكن ينبغي احترام فكر الناس والدفاع عنهم حتى وان اختلفنا معهم. ربما لا انّزه نفسي شخصيا من نقد الاخرين ولكن كل ما يشغلني هو الموضوع من دون ان اقترب للذات ابدا، ولكن السؤال الحقيقي يطرح نفسه علينا دوما نحن العراقيين: هل يمكننا ان نتشدق بالديمقراطية والشفافية واحترام الرأي الاخر.. ونحن لم نزل يأكل احدنا لحم الاخر؟ بل ويريد نفيه واقصاءه باتهامه بشتى التهم او بتجريح سيرته؟
اشكالية فهم الدين والمجتمع
واسأل: كيف تنبش بلقيس في الماضي لاشعال نار التناحر والتباغض من جديد؟ وهل هي وحدها التي تقول بمصطلح " رجال الدين " ولا تقول بعلماء الدين؟ وهل هي اشكالية كبرى اخوتي الاعزاء مثل هذه؟ واذا كانت واحدة مثلها تقلل من شأن هذا الدين، فماذا نسّمي اولئك الذين يحّزون الرقاب ويقطعون الرؤوس باسم الدين؟ لنكن رفقاء بالقوارير عندما نهاجم الاخرين خصوصا اذا كان الاخر امرأة والتي ربما يمكنها ان ترى وتتصور الحالة المأساوية لواقعنا بمنظار اوسع مما يراه غيرها وانا اندهش من مواقف اناس لا تدرك من الدين الا طريقا للعنف واسلوبا للقتل والتقليل من شأن المرأة ! واذا كان بعض الاخوة لهم التزامهم باعلى درجات الاخلاق والقيم، فما الذي يجعلهم يتهكمون في تعليقاتهم على من لا يعجبهم وباسلوب اللمز والهمز والتنابز او حتى باختلاق الاكاذيب والمفبركات من دون ان يقدموا البديل كما يحدث دوما.. وانا واثق من انهم جميعا ان حاورتهم فستجدهم يعتزون بسجايا الرجال الحقيقيين المتحضرين في تعاملهم مع المرأة وخصوصا انهم لا يعرفونها ولم يلتقوا بها في يوم من الايام ! انني اذ اكتب هذا فانا الاخر قد تّعرض لمثل تلك التجريحات والاتهامات الباطلة من قبل اناس لا يعرفون لماذا يحقدون سامحهم الله!
الملالي ليسوا بالعلماء: عبارة لماذا تغضبكم؟
اسأل: هل كل من لبس العمة والجبة واطلق اللحية اصبح من علماء الدين الكبار؟ كنا نحن العراقيين نسمي امثال هؤلاء سابقا ولم نزل بـ (الملالي: جمع ملا) وكثيرا ما يشبههم المجتمع بالحلاقين بسبب ثرثرتهم وسذاجتهم !! انهم فعلا رجال دين ولكنهم ليسوا من علمائه واصفيائه ومرجعياته؟ وحتى العلماء الكبار ما الضير ان نستخدم مصطلح (رجال دين) اذا كان هناك في المجتمع (رجال دنيا) وقد استخدم مصطلح (الدين والدنيا) في اغلب الادبيات العربية الاسلامية القديمة ومنه كتاب ابو الحسن البصري الماوردي " ادب الدين والدنيا ".. ثم تعالوا يا اخوان: هل هناك نص يحّرم علينا استخدام مثل هذا التعبير؟
واقول ايضا: نجدهم على شاشات التلفزيون يحللون ويحرمون يهاجمون ويكفّرون باسم الدين يخاصمون ويختصمون.. يقاتلون ويقتلون يحلمون ويفسرون وهم من كل حدب وصوب من دون ان يكونوا متمرسين بعلوم الدين ابدا، وقد راقبت ما يصرحون به فوجدت منهم من لا يعرف ان يرّكب جملة مفيدة بلغة عربية سليمة .. فما الذنب المرتكب اذا وصف هؤلاء باوصاف عادية وما شأنهم بحياة العراق وواقع العراق ومصير العراق حتى نجعلهم أوصياء عليه؟ لم تتدخل بلقيس لكي تتفلسف وحتى ان تدخلت وتفلسفت، فهل فسّرت نصا قرآنيا بصورة من الصور؟ وهل شرحت حديثا نبويا بأي شكل من الاشكال؟ من قال بأن أي انسان يفكر ليس الحق في الخوض في شأن الدين عموما؟ فالفرق كبير بين الفكر الديني وبين العقيدة الاسلامية ولا يمكن ان يتم الخلط بين الاثنين، اذ لا يحق لنا جميعا الخوض في المسائل العقدية والتشريعية لأن لها علماؤها الكبار، ولكن الحق للجميع في ان يقولوا رأيهم في الفكر الديني. تجدهم شبابا اعتمروا العمامات فجأة في الشوارع وهم يسرحون ويمرحون ويفسرون النصوص على هواهم.. فهل لدى اولئك الشباب اي علم لهم باصول الدين كي نسميهم بعلماء الاسلام ، وحتى العلماء الاجلاء لا يمكن ابدا تقديسهم، اذ يستوجب احترامهم والاعتزاز بهم؟
الاصلاح والتحديث: ضرورة اجتماعية
واجيب حول مسألة الاصلاح والتحديث واقولها بالفم الملآن لكل العراقيين انه لابد من التعايش والمساواة واحترام كل الاديان وكل الطوائف وكل العادات وكل التقاليد والشيم الاصيلة بعيدا عن العادات البالية والاساليب المستهجنة لكي نخدم طفل يحلم بحياة أفضل، وامرأة تتوق للأنعتاق، ورجل يعشق الحياة بأمن وسلام في هذا العراق الجريح الذي ابتلي باناس لا يفقهون من امر دينهم ودنياهم شيئا.. والمجتمع العراقي يعيش اليوم احلك ايام تاريخه المعاصر، وان مشكلاته لا تقصى ولا تستحصى، فكيف لا تريدوننا نعلن حالات الوفاق والتوافق بين كل الملل والقوميات والطوائف والاديان؟؟ من اجل مستقبل اولادنا ومصير بلادنا؟؟
لست من الذين لا يفقهون قوة السلطة في المجتمع الذي اتحدث عنه والذي من ابسط حقوق الانسان فيه ان ينتقد ظواهره السيئة التي يعتقد الاخرون- ويا للاسف - انها حسنة، فاذا ما قدمت رؤيتي في البحث عن قواسم مشتركة من خلال الفكر والسياسة لتجديد واقع واصلاح عادات ووأد تقاليد اراها بالية فهذا ما يتعارف عليه الجميع في عملية الاصلاح وخصوصا في التحديث الاجتماعي الذي لا تنفعه ربما لا فتاوى دينية ولا نداءات سياسية ! ان مهمتنا نحن الذين نفكّر قليلا ان نقول ما عندنا.. فالمجتمع لا يمكن اصلاحه وتحديثه الا بوسائل فكرية وادوات علمية.. ولن يتوقف المرء عن بلوغ الغاية التي نذر نفسه من اجلها، فالخوف سيبقي العادات والتقاليد البالية كما هي عليه.. ثم هناك الزيف وادعاء المظاهر الكاذبة التي تخفي من ورائها نزعات مرضية لا تنفع معها العلاجات والادوية ابدا ! وارى ان لا يدين المرء نفسه وهو يجادل بالباطل، فان كانت المراجع العليا ترفض ممارسات بعينها وقد اصدرت ما يفيد بضررها، فلماذا لم تعمل الناس على تركها؟ واذا لم تنفع الفتاوى، فلماذا يسكت المختصون والمثقفون والسياسيون؟ ربما لسنا اصحاب تشريع وفتوى ولكننا اصحاب تفكير وقلم.. واذا كنا لا نؤمن بكل تلك التقاليد البالية، فما الذي يجعل اغلب المثقفين يسكتون او يصمتون وهم يرون العراق وقد تراجع الى الوراء عشرات السنين على امتداد العقود الاربعة الماضية؟؟ وان ما نراه اليوم ما هو الا حصيلة تاريخية صعبة من افرازات ومنتجات العهد الماضي !
وما زلت اقول واردد بأنني أحيانا أجد نفسي مضطرا للخوض بما كنت أتحاشاه، لان البعض قد أوغل تطرفا بمفاهيم مرتدة الى الوراء لاهداف معينة وغايات واضحة، وتراجعت مفاهيم الحرية والمساواة أو التعايش بسلام وحقوق الانسان والفصل بين السلطات واحترام الرأي الاخر أو حتى مسألة المساهمة ببناء الوطن ودفع عملية التطور لخدمة البشر. ان التدخل حق مشروع لكل من يرى في نفسه القدرة على تقديم ما ينفع الناس وفي مسائل اعتبرها تقاليد اجتماعية سيئة وليست عقدية دينية سامية، وهذا من صلب ما يمكن لأي انسان الخوض فيه وليس الخوض في معتقدات الاخرين ! ان هناك من يريد ان ينفخ في قربة مقطوعة من دون طائل ويريد ان يسكت الاخرين حتى في نقد اوضاعنا وتوضيح مثالب بعض عاداتنا السيئة التي جعلوها هي الاخرى عقدية دينية؟.. فمن يريد ان يصلح المجتمع سوف يصطدم بجدار صلب من افكار ليس الناس البسطاء الطيبين، بل بافكار من يريد احتكار المجتمع باسم الدين كي يتهم كل محاولة اصلاحية جريئة انها تريد ضرب الاسلام.. وهذا من اسوأ ما سيصادفه العديد من المصلحين والمفكرين وخصوصا في بيئتنا العراقية التي لا يمكن ان تبقى احوالها على ما هي عليه أبدا.
وأخيرا: ماذا نخلص اليه؟
في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، يشهد كل المؤرخين والعقلاء العراقيين بأنها مرحلة رائعة ومزدهرة من التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية.. واعمار البنية التحتية وصناعة القوى البشرية الفوقية وتطوير الجوانب الابداعية الفنية والتشكيلية في العراق.. فهل يمكننا ان نتجاهل كل ذلك كي نتكلم بمنطق الجمود ونسعى الى ان نبقي العراق على تخلفه اليوم بعد ان عاش عقودا اربعة تراجعت فيه كل القيم وانكفأت فيه كل الابداعات وتراخت فيه حتى الاخلاق.. وبدا المجتمع مغلقا وكأنه خارج من اطوار العصور الوسطى وقد خرج من عهد الطاغية الذي نخر في العراق ما استطاع ان ينخر واوهم نفسه والناس معا بأنه منّزل من السماء وانه عبد الله المؤمن وانه ظل الله في الارض ولكي يركب الموجة، بدأ بتوظيف الدين لصالح قوته وحكمه وسلطته فطّبل له المطبلّون وصفق له المصفقون، فكان ما كان من نتائج كارثية ابتلي بها العراق ويعاني منها شعب العراق!
وأخيرا، اسعدني جدا ان يكون موضوع الاخت الشاعرة بلقيس السنيد قد اثار كل هذه الافكار التي ازعم ان لها فائدتها وخصوصا في بنائنا مرتكزات عراقية جديدة للتعامل في ما بيننا، وان نقّدر الامور حق قدرها وان تكفل حرية الرأي واحترام الرأي الاخر مع حسن التعامل وطيب الحوار والاعتزاز بالمشاعر وتثمين دور المرأة وان يكون لنا الحق في الاعتراض ان كان بيدنا ما نقدمه من البدائل وعلينا استخدام الادوات النقدية الذكية بل وان الضرورة تقضي بتوظيف ادب الحوار باعلى درجات الاعتزاز بالخصم من اجل تقديم الموضوع على الذات دوما والبحث عن صيغ التلاقي في وجهات النظر وعن حقائق الامور في المعلومات وهذا ما نأمل ان يتحقق لدى الاجيال القادمة في القرن الواحد والعشرين.
27-10-2004