نافذة

مع من أسموه الشهيد الناطق طباعة

مع من أسموه الشهيد الناطق
                                                                 
                                                                                بلقيس حميد حسن


إذا قــُتـلـنـا ولم يـبـك ِ لنا أحــدٌ ××× قالت قريشُ ألا تـلك المقاديرُ
نـُعطى السوية من طعن ٍ له نفذ ٌ××× ولا سوية إذ تـُعطى الدنانيرُ

قال هذا  عمرو بن معد الزبيدي حين  أبلى بلاء حسنا في إحدى المعارك، ولم يـُنصف حيث  قسم  القادة الغنائم قسمة ضيزى:
كأني بالسيد حسن حسين الكريعاوي  قال هذا وأنا أحاوره , السيد  حسن حسين الكريعاوي , الذي عرض لنا في أمسية دعته فيها  المنظمة العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان في هولندا  فيلما صور  قطع أيدي الضحايا التسعة , الذي هو واحد منهم , والذي في كل كلمة يتذكرهم , رفاقه مقطوعي الأيدي  ظلما وعدوانا من قبل النظام الفاشي, فيجيب بقول  نحن بدلا من أنا , لقد رأيت تلألأ الدموع في عينيه , هتـك الحزن دمعه ففاض بما عنده من إحساس بالصدمة والخيبة الموجعة , كان تاجرا ولم ينكس يوما رأسه لأحد , كان ممتلئا , قويا , شابا لم يمر الخوف على المستقبل في قاموس حياته , كان بيدين اثنتين , يمسك بالدنيا ويلوي ذراعها لتسعده , لم يخطئ بشيء ليخاف من ذنب ما , ولم يتكاسل عن بناء حياته المستقبلية , لم يذنب في أحد , مؤمنا ومحبوبا من قبل المعارف , يضم عائلته الصغيرة بحنو وينتظر يوميا استقبالهم له ليسمع كركراتهم فيبتهج , ما كان يعلم أن أيد مجرمة ستقف بوجه هذه السعادة الصغيرة , كان يرى البشاعة من حوله تشوه أبناء الوطن , لكنه لم يفعل ما يغضب هذه السلطة المجنونة , ولم يتوقع أن تصل بهم الوحشية إلى قطع يمينه ووشم جبينه ,رغم إن يده اليسرى كانت معاقة في إحدى حروب الديكتاتور السابقة.. بتروا يمينه لا لشيء سوى انه أمتلك بعضا من الدولارات , أو تسائل عن قيمتها تلفونيا مع زميل له تاجر , الشر كان متربصا بالعراقيين , في الشارع والمحلات والبيوت , بل حتى في أسرة النوم , السيد حسن حسين الكريعاوي, أب لثلاثة أطفال , هو إحدى ضحايا النظام المجرم الذي قطع أيدي تسعة تجار عام 1995 بدعوى انهم يتعاملون بالدولار , الذي كان محرما , وبعد أن قطعت أيدي التجار التسعة , وفارق أحدهم الحياة إثر عملية القطع مباشرة , سمح نظام قرقوش الصدامي و بعد شهر واحد فقط بالتعامل الرسمي بالدولار, لو كان الطاغية انتظر شهرا واحدا على هؤلاء الشباب الآباء , لو كان واحدا من منفذي عملية القطع قد أحس بقهر هؤلاء وساعدهم بالفرار أو دبر لهم شيئا للنجاة, لو.. ولو.. ولو , كثيرة هي الحسرات بعد الموات , فالأموات لا يعودون , واليد المقطوعة قد غابت إلى الأبد بعد أن قـُدمت الأكف التسعة في طبق أنيق إلى الطاغية صدام , وقد رأيت الفلم الوثائقي بعيني  وفزعت كغيري ممن يجلسون لرؤية الفلم والدموع وحدها كانت شريكنا بالشعور بالفجيعة , كان صدام يضحك منتصرا , منتصرا على قلم ممكن أن يمسكه أحد هؤلاء بيمينه , منتصرا على أطفالهم وزوجاتهم العزل, منتصرا على براءة الشباب الذين كسرهم وأحبط معنوياتهم , هؤلاء , نصف الشهداء , هل كان عليهم أن يستشهدوا لنكرمهم ؟ وهل كرمنا شهدائنا فعلا وبعد ما يقارب الثلاثة أعوام على سقوط الطاغية ؟
لهذا التقيت السيد حسن بعد مرارة حملها هو ورفاقة , وإحساسهم المرير بالحرمان , بعد أن تحول حسن من تاجر ناجح إلى منظف بيد واحدة , هل ستغادر حسن أنفة العراقي لأننا كعراقيين لم نكرمه , وكحكومة لم تلتفت اليه؟  وماذا سنقول له ونحن نرى الآلاف من أهالي الشهداء لم يعوضوا , رجالا ونساء , عجائزا وشيوخا يبكون أبناءهم ويسكنون في أكواخ وبيوت بائسة تأبى الحيوانات في العالم المتحضر أن تسكنها ؟ حتى متى يهان العراقي ؟ وهل نطالبه بعد كل هذا بالوطنية والتضحية وما إلى ذلك من كلمات سياسية ؟
بدأنا مشوارنا مع السيد حسن بهذه الأسئلة :
ما الذي تود أن تبدأ به اللقاء معك في وصف مرحلة من الزمن العراقي كنت أنت أحد ضحاياها؟.
الإجابة . أتمنى من الأخوة المسؤولين الذين واعدونا عبر الإعلام والصحافة والانترنيت وغرف المحادثة الصوتية, كانوا يقولون قبل سقوط النظام إنهم سيكونون لخدمة الضحايا وأبناء الشعب ولكن مع الأسف رأينا أن هذا حبر على ورق كمنظمات حقوق الإنسان بالعالم العربي , لقد مرت مرحلة صدام وأصبحت معاناتنا اكبر وهاهي المرحلة الثانية حيث لم نجد أي مسؤول قام في خدمتنا أو مراعاتنا .
 
ما هو شعورك وأنت ترى الطاغية بين يدي العدالة؟.
كنا نتمنى أن نقف نحن الذين حصلنا على عاهات وضحية لهذا النظام نفتخر إذا ما حوكم صدام ونتمنى أن هناك محاكمة عادلة فعلا لتنصف المظلوم وإعادة الحق لأهله وليس عبر المحاكم فقط إنما عبر كل المحافل وكل المكانات والمسؤوليات وأتمنى أن تكون المحاكمة أمام الرأي العام.
 
هل تجد إن القضاء العراقي سينصفك؟
سؤال جميل ووجيه وأتمنى أن أسال هذا السؤال بعد سقوط النظام  وقد سالت هذا السؤال قبل سقوط النظام أما ألان فلم احصل على كل شيء فقط الإهمال والنسيان وكأنني لم أكن ضحية ذاك النظام المجرم الذي أورثنا العلل والعاهات والنكد , إذا لم ينصفني العراق أو الحكومة العراقية ما قبل الدستور فأنا كلي أمل بان سينصفني بعد إقرار دستور يرتضيه شعب العراق ويؤكد على حقوق الإنسان وأولهم الضحايا وأنا وأخوتي السبعة  من ضمنهم.  
 
حسب إحصاءات وزارة حقوق الإنسان العراقية،يوجد في العراق حالات مشابهة لحالتك عددها
 3500 حالة..هل تعتقد أن الحكومة العراقية ستنصف كل هؤلاء وتعوضهم؟.
في نظري أن القلة القليلة وهي قطع اليد والوشم بين الحاجبين,  أننا فقط التسعة تجار المتهمون بالتعامل بالدولار, وقد سمح بالتعامل به بعد قطع أيدينا بشهر واحد , فأي كارثة وألم حملناه من نظام الديكتاتور وإضافة إلى مصادرة أموالنا وسحب جوازات سفرنا , وتبديل وثائق النفوس الجنسية وشهادة الجنسية وكتابتها بالخط الأحمر أعلانا وإمعانا في اضطهادنا وإذلالا لنا واعتبارنا مجرمين لتمييزنا عن معوقي الحرب علما أنني معوق حرب باليد الأخرى ولم يشفع لي هذا العطاء والتضحية للوطن من قطع اليد اليمنى.
 
كيف كانت ردود فعل المنظمات الإنسانية العالمية مع هذه الجريمة؟.
وكيف تقيم وضع حقوق الإنسان في العراق الآن؟.
بالنسبة للمنظمات العالمية  لم أشاهد سوى المنظمات العالمية بأمريكا التي أرسلت لنا دعوة لزيارة الرئيس الأمريكي وتم أجراء عملية ثانية بعدما رأوا الفحوصات وتأكدوا من أن العملية التي قام بها الدكتور فرهاد طه  ويعمل حاليا مدير مستشفى الكندي العام وكان طبيبا في المفاصل واصبح ألان مديرا لمستشفى الكندي , الذي قال انه أجرى العملية تحت التهديد من قبل السلطة العراقية وهو يعترف بأننا من أشراف الناس وأننا ضحايا نظام فاشي, علما أن بقناعتي وقناعة اخوتي المظلومين بالعراق بان بعض الدكاترة تتسارع لعمليات قطع اليد أو الأذان أو اللسان للحصول على مكرمة من الرئيس أو على ترقية بالعمل, بعد وصولنا إلى أمريكا اجري لنا تصحيحا للعملية للتخفيف من الآلام التي خلفتها لنا العملية الأولى وكنا في مقابلة فوكس نيوز,  سي أن أن , وبرنامج من واشنطن بالجزيرة وكل القنوات العربية  والعالمية سلطت الضوء علينا وقام باستقبالنا بوش  وكاونباول  ورامسفيلد والأخت رندة رحيم سفيرة العراق بأمريكا سابقا ومجلس الشيوخ والكونغرس الأمريكي ,وأطلقوا علينا لقب الشهداء الناطقين وحصلنا على أوسمة هناك وقيل لنا بالحرف الواحد بأننا سوف نحضر محاكمة صدام وسوف نكون أول من يهدم سجن أبو غريب لان هذا السجن الذي عاش مأساة العراقيين ونحن أحياء وأجريت لنا العمليات بهذا السجن المرعب الذي ارتبط بمعاناتنا وقهرنا كبقية أبناء الشعب الذين ظلموا , وتابعتنا كثيرا من المنظمات في أمريكا , وكنت كلي أمل بعد عودتي إلى هولندا وبمساعدة بعض الأخوة من الكويت الشقيقة قاموا باستدعائي وزيارتي للعراق بعد أن عرفوا بعوزي المادي وشوقي لعائلتي بعد فراق سبع سنوات وقام الأخوة الكويتيون من المعارف وفي السفارة الكويتية منهم الأخ طارق بمساعدتي ماديا ومعنويا للسفر إلى العراق لمشاهدة أبى وأصدقائي رفاق الدرب والمقطوعي الأيدي مثلي من أصدقائي التجار وكانت الفرصة رائعة لي بالمشاركة بالانتخابات هناك وقمنا بالمساهمة بالعملية الانتخابية تحديا للإرهاب وتشجيعا لأبناء الوطن , ذهبت لوزارة حقوق الإنسان العراقية وصدمت لأنني لم احصل منهم حتى على راتب تقاعدي يعينني على الزمن أنا وأولادي بعد أن أصبحت بيد واحدة , ورغم ذلك إن كل أخوتي الثمانية  العراقيين يعانون معاناتي ولم يحصلوا على أية التفاته لوضعهم ومساعدتهم من أي جهة أو مسؤول عراقي.

 
كيف وجدت تعاطي الهولنديين مع قضيتك؟.
أول ما وصلت إلى هولندا طالبا اللجوء عام 1997 بعد رحلة شاقة وعسيرة ومن خلال الأردن الذي تعرضت به للاعتقال لمدة 28 يوما لأنني دخلت البلد هاربا من جور النظام وبدون جواز سفر , ومن أين أجيء بجواز السفر بعد ما حل لي من منع لكل حقوقي المدنية , وقد ضربوني  وعذبوني  في الاعتقال في منطقة المخابرات بالدوار الثامن , ثم زارتني إحدى منظمات الصليب الأحمر السويسري , وأجريت معي مقابلة بعد أن رأتني عاريا بعد جلسة تعذيب حيث دخلت بالخطأ إلى مكاني إذ كان بنفس اليوم محاكمة الدقاسمة الذي قتل 11 شابة إسرائيلية على الحدود وهو حكم مؤبد ومن حسن حظي كان الصليب الأحمر بذات اليوم هناك ورأوني , بعدها قامت بالاتصال ببعض التجار العراقيتين من ضمنهم عبد الله خلف عبد الله الذي ساعدني الحصول على جواز سفر وتسليمه إلى المخابرات الأردنية لتسفيري إلى اليمن وليس إلى العراق بعد إن أضربت عن الطعام لمدة ثلاثة أيام في سجن جويدة , ورحلوني ودفع عبد الله خلف تذكرة السفر إلى اليمن حيث هو البلد الوحيد الذي كان مسموحا لنا السفر إليه والذي يستقبلنا , عند وصولي إلى اليمن ساعدوني الأخوة الأكراد الفيلية المهجرين زمن الطاغية , واحتضنوني وراعوني رعاية الأخ لأخيه وساعدوني بإخراج جواز سفر ثاني سافرت به إلى هولندا , وعند وصولي لم يصدقوني حين تكلمت لهم عن معاناتي أرسلوني إلى السفارة العراقية واخبروهم انه من السارقين , فأخذوني لفندق بمدينة املورد , لمدة 11 شهر محضور علي الاتصال بالعالم الخارجي , ولم يعترفوا بأنني من ضحايا صدام حتى سقوط النظام وانكشاف الحقيقة وبعد أن كانت رحلتي إلى أمريكا وقد سجلت بفلم شاهده الهولنديون وكان بعض العراقيين الذين يعملون بالمخابرات يدلون بان صدام لا يقطع الأيدي أو يعتدي إلا على المجرمين والسراق , مما زاد معاناتي هو ضياع الحقيقة بين الناس ومحاولة تشويه سمعتي , حتى من قبل بعض اللاجئين العراقيين الذين لم يصدقوا بمعاناتي ونظافة يدي من السرقة وهذا اصعب ما رأيته بحياتي هو أن أُتهم وأنا الضحية والبريء الذي عوقب من قبل الطاغية والناس بدون أدنى ذنب .
 
كيف تعيش وماذا تعمل الآن؟.
لا يوجد إنسان خارج وطنه ويستطيع القول انه سعيد فما أصعب الغربة والبعد عن الوطن , فما بالك بالذي يحمل معه معاناة أخرى تضاف للتغرب والإحساس بالدرجة الثانية في بلد متحضر تجاوزنا إلى الحرية والاستقرار والانعتاق من الخوف والمعاناة التي لازلنا نرزح تحت نيرها أذلاء. طوال فترة حياتي بعد العملية وقطع يميني كنت أعاند وأصارع من اجل البقاء على قيد الحياة لأكشف حقيقة الطاغية وما جناه على أرواح أبناء العراق ومقدر اتهم, وكان الأمل وانتظار اكتشاف الحقيقة يعطيني القوة والدفع للبقاء وتجاوز الصعوبات , وبعدما انكشفت الحقيقة كنا متوقعين أننا ستعاد لنا قيمتنا كبشر مظلومين ولكن للأسف لم يستقبلني بمطار فرانكفورت- بعد عودتي من أمريكا -  أحدا  سوى ابني وعمره 16 عاما حينه , ولم يكن حظ أخوتي الذين عادوا للعراق أحسن مني فلم يستقبلهم هناك أحد مما آلمهم هذا,  أشعرهم بأنهم لازالوا لم يعاد لهم رد الاعتبار ومسح الجريمة التي غيرت مجرى حياتنا,  بل قلبتها قلبا , وكان الأمل عندي كبيرا إلى الحد الذي توقعت أن أبدا حياة جديدة أجمل , حياة كما العراق الجديد سيبدأ بعد سقوط الطاغية , خاصة كان عندي كتابا من الأخت رندا رحيم , بان اعمل بالسفارة العراقية بهولندا مما أسعدني لبعض الوقت وحملت توصيتها هذه  للسفارة العراقية وكم كانت صدمتي كبيرة حين تم بالبداية الاعتذار عن توظيفي لعدم وجود الصلاحية ثم عملت كمساعد لخادم الضيافة كواجهة لفضح النظام ومساعدتي ماديا ,لكنني لست بسعيد بهذا العمل لأنني أتعرض لبعض الإذلال من بعض النفوس الضعيفة , وهل هو أمر سهل أن أتحول من  تاجر إلى منظف بيد واحدة  , أكنس وأجمع ألا زبال  وأبقى تحت إمرة بعض من لا يفهمون معاناتي , ولا يشعرون بتعبي النفسي جراء ما حصل لي على يد الطاغية والذي زلزل حياتي  وأرهقني ؟
كنت أتمنى من الوطن أن ينصفني, كنت انتظر إعادة الكرامة والشموخ العراقي لي وعدم إهمالي  واخوتي السبعة الآخرين من قبل  المسؤولين , ولكن........

هذا ما قاله حسن حسين الكريعاوي  بشيء من اليأس والخيبة  والحزن العميق .
 ولكن, متى نستطيع أن نمحو كلمة  لكن وننتصر على القهر؟
إلى متى تبقى الحسرة والأمل المتردد والانتظار هما ما نملكه؟
متى نمسح بعض العذابات  ونزحزح  ميزان العدل صوب  موقعه ولو قليلا  لنقول أننا نبني عراقا جديدا حقا؟.......

12-9-2005

 

 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية