نافذة

أم تمارا .. الراحلة دونما وداع طباعة
أم تمارا .. الراحلة دونما وداع
بلقيس حميد حسن
علمتنني الغربة والمنافي أن لا احب الوداع..وعلمتني حياة النضال أن لا انس أحدا ممن عشت معهم هموم الأيام الصعبة ..
أم تمارا ..
تلك الأخت والصديقة الرفيقة .. التي كانت ابتسامتها حاضرة كل حين .. وكانت البساطة وحب الناس تملأ كل تقاسيمها التي لا تخلو من معاني الفقر الممزوجة بلوعة الغياب والفقدان .. الفقيدة سلام .. أم تمارى . ما الذي سأسترجعه معك راحلة بلا وداع ؟
هل استرجع أيام بيروت العصيبة ؟
أأسترجع زمن الفقر والقصف الإسرائيلي والحروب الأهلية التي عشناها في لبنان؟ عشناها بكل ما تحمله من موت منتظر ومفاجآت لا تعرف الرحمة , حاملين أمل التغيير في عراقنا الحبيب ,هل يعيدني رحيلك لشريط ذكريات اختزنتها أرواحنا فاعتصرت شبابنا يوماً يوماً, وألماً ألما ً؟
هل أنسى صرخة بر يخت التي كتبناها على ورقة لنضعها على حيطان بيوتنا ؟

لا تثبت مسمارا في الحائط
ضع السترة فوق الكرسي
لا تــتـمون إلا لليوم الواحد
فغدا عائد......
والغد لن يعود ..هكذا.. ونحن بكل عنفواننا يا أم تمارا ..قد غادرتنا السنين بلا عدد.. وسوف لن تعود حتما ......

هل استجدي طائر الموت الذي حط بصمت على سريرك لأ قول له رويدا , إنها لم تعش طويلا بعد , تمهل .. فهي لم تنس بعد أشباح الفقر الموجع الذي عاشته طفلة, وفقدان الأحبة قرابين لوطن أدمانا عشقه وأضاعنا في دروب المنافي والتشتت , هل ادعوه ليتوقف قليلا , لأقص عليه ما تحملته ِ من عذابات الانتماء للوطن الذي كان العوز والفقدان والغربة اقلها وكم كنت صلبة , مناضلة , مليئة بالتفاؤل والثقة بالمستقبل ؟
أم تمارا
هل أتذكر برحيلك بيوتنا التي كنا نسكنها ببيروت ؟
تلك البيوت البائسة التي لا تتعدى أن تكون مجرد سقوف نحتمي بها مع أطفالنا لننتظر سقوط الطاغية صدام يوما بعد آخر ؟
هل استرجع نكاتك وضحكاتك في كل أمر؟ أم صدقك و جديتك وصراحتك التي لا تعرف اللف والدوران ؟
ماذا أتذكر لأوقف سيل الدموع ؟
وكيف املك أن لا اشهق بعبرة المفجوع بعد أن كنت مثالا نقدمه للناس على انك الحب الذي هزم المرض حين داهمك في بيروت ..
لقد هزمتيه يا أم تمارا سنينا , هزمتيه بحبك لابنتيك ولزوجك الذي شاركك كل الأوجاع بروح مرحة اجترحت معجزة انهزام مرض عضال كالسرطان , لتسترجعي صحتك وشعرك وفرحك البريء بالحياة ..
كيف عاد ذاك المرض الخبيث لك بعد اكثر من عشرين عاما انخرطت ِ بها نضالا ودفاعا من اجل المرأة والإنسان ..
أم تمارا
كلماتي هذه ليست رثاء , فأنا لا اعرف كيف يمكن أن تكونين غير موجودة , كنت أراك في كل مرة اذهب بها إلى السويد, عدا سفرتي الأخيرة في تموز الماضي , لم يكن خبر مرضك قد بلغني بعد وكنتُ عابرة عجلى على مدينتكم ..
في نهاية العام الماضي آليتي أنت وزوجك ألا أن تلتقون بي كما في كل مرة , كم كانت سهرة ممتعة معكم , ضحكنا كثيرا وتذكرنا أيام النضال , تذكرنا أيام بيروت وسوريا , وتناقشنا بأمور هامة كثيرة منها العلمانية والمرأة والحجاب , قلنا شعرا وسياسة وفلسفة حتى منتصف الليل .. ما كنت اعلم أنها ستكون آخر مرة , ومن أين لي بذلك وطائر الموت غدّار......
أم تمارا
يوجعني أنني لم أرك أخيرا . واستصبر بابيات شعر للعباس بن الاحنف حين يقول:

ولما دعوت الصبر بعدك والبكا
أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبرُ
فان ينقطع منك الرجاء فانه ُ
سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر ُ

يوجعني أنني سوف لن أر ابتسامتك التي تمنحني الأمل بالحياة , وطيفا يمنحني القوة والقدرة على العطاء
يوجعني أنني لم اقل لك انتظري أرجوك فنحن بحاجة إلى تفاؤلك في زحمة واقع يقتلنا يوميا .
يوجعني انك رحلت بصمت , مبكرة دونما رؤية العراق الذي كنت به تحلمين ......
20-11-2005
 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية