نافذة

الفنانة عفيفة لعيبي الإنعتاق والصعود الى النور طباعة
الفنانة عفيفة لعيبي الإنعتاق والصعود الى النور

بلقيس حميد حسن

قبل دخولي قاعة المعرض الذي دعتني له الفنانة عفيفة لعيبي , مسحت من ذهني -وأنا في الطريق - أي توقع للوحات , كنت أريد أن لا أحرم نفسي من متعة الدهشة , وأنا التي تبحث عن دهشة تطلق العنان لخيالي , دهشة ليست كدهشات واقعنا المعاش , دهشة لم تتلوث بدماء الأبرياء, ولا بكاميرات الصحفيين , ومع أن بعض لوحات عفيفة معروض بكارت الدعوة, وبعضها كانت قد فاجأتني به الفنانة عبر البريد الألكتروني بصباحات الأعياد , لكن الذي أدهشني هو عيون النساء , وكيف أطلقت عفيفة الروح فيها , أحدق بتلك العيون فيختلط علي , هل رأيت تلك الوجوه وذاك البريق يوما ما في محطة باص ؟ او في زحمة ترام ؟ أم في سوق أو مكتبة ؟
لم تعتمد عفيفة مقاييس الجمال الكلاسيكية, المقاييس التي سمعناها من امهاتنا عبر العصور , ولم تأخذك الى رسم معقد يرميك بعيدا عن إدراك الحلم والواقع المتعب , بل كانت سهلا ممتـنعا, وبساطة صعبة التكوين, جعلت الجمال ألمع وأكثر شموخا, حيث تتكسر القوالب وينفتح باب الضوء رحبا ً أمام الحياة, مما ذكرني بأبيات شعر لأيليا أبي ماضي في الطلاسم حين يقول عن الجمال :

رُب َ قبح ٍ عند زيد ٍ هو حسن ٌٌ عند عمرو
وهما ضدان ِ فيه وهو وهم ٌ عند بكر ِ
فمن الصادق ُ فيما يدعيه ؟ ليت شعري
ولماذا ليس للحسن قياس ٌ ؟
لست أدري ...

هكذا كان الجمال يشرق بلا مقاييس في لوحات عفيفة , الحياة التي تـنطق بعيون نساءها هو غاية الجمال الموعود, حركات المرأة التي لم تزل محاصرة , ولم تخرج عن حدود شرفة المنزل في هذا المعرض سوى بلوحة واحدة, حيث البحر , لكن توقها للنور قويا , يحاكي صعود الملائكة والأنبياء نحو الإنعتاق الأبدي , اللامحدود بسماوات أزلية , وها أجنحة المرأة , بثوبها المهيب وابتسامة تبث المحبة للناظرين, أذهل كل من دخل المعرض, اللوحة جاءت بمكان ناسب فكرة الإرتقاء, يلتقيها المرء بعد صعود السلم , مما زادها حيوية ً وسحرا ً سرى بالقلوب فصار للوحة مريدين ومؤيدين من أول لحظات الإفتتاح, حيث احتوت المكان بإشراقة الإصرار, الإبتسامة, والقدرة على الطيران.
التوق للحياة الهنيئة سيطر على اللوحات , ثقة المرأة بكل ما تقوم به , جعلها تمارس أسلوبها اليومي المعتاد بلا أدنى قلق وخوف .
التفت ُ فأرى إمرأة تضع لمسات زينتها الأخيرة , تنظر للمرآة نظرة أنثوية لرسم أحمر الشفاه , تاركة الطبيعة تنثر جمالها حول حدود الفكرة , فاكهة ً وترفا ً , لاهثا وراء المراد من ألوان اللوحة .
وهنا أخرى تمسك بناي تهيم معه , تمنح الكل نغمة سريـّة يرددها في ذاته, لا يسمعها سواه, ملكه ُ وحده ُ , كتب َ لحنها ناي اللوحة وعيون العازفة , رنة خاصة يتفرد بها الرائي ليصبـّها بإطار فكره وأحلامه.
وتلك التي تتمطى كسلا, لتنهض باطمئنان وعفوية ليوم تعرف ما ستفعل به .
تدعوني إمرأة أخرى لأسرح في شعرها الذي شكل أجنحة طير فكان اسم اللوحة طير الجنة , نعم لهذا الطير , طير الجنة المعهودة التي نريد, جنة حرمنا منها , نتأملها , نتخيلها , ننتظرها , نعمل من أجلها وكم نشقى , وكم نتيه في دروب البحث ونهيم , لم يكن طير الجنة عند عفيفة بليدا , ولا حيوانا لا يفهم لغتنا , إنه إمرأة بكل قدسية ما تعطي, وبكل ذكاء ما تحمل تحت شعرها الريشي الرامز للبراءة والحرية والقوة.
تستوقفني لوحة أخرى أرى بها المرأة , مسترسلة بكي الملابس وهي غارقة بفكرة ما .
اللوحات تريك بعضا من أفكار المرأة, تدخلك عالمها حتى عَصَب المنزل والجرأة الخجلة عند الخروج من البحر, حيث اليدين تستر الصدر , حركة لم تستطع المرأة الشرقية نسيانها حتى وإن اختلفت حياتها, فهناك رقيب يترك بصماته على حركاتها أينما تكون.
الفكرة التي هزتني بفرح وكما الإنتصار , هو أحتكار المرأة للوحات المعرض , والحياة الطبيعية التي تعيشها في اللوحات , بالرغم من محبي الظلام وقاتلي الفراشات, كأن صوتا خفيا, حكيما يصرخ من اعماق عفيفة , العراقية , رافضا الواقع الأليم , متصديا لما أرادوه لها هناك , حيث العراق يغرق بالسواد والممنوعات, فجميع حُجب الظلام, لم تستطع نزع فكرة التوجه صوب النور, من رأس فنانة صممت على إيصال صوتها, بحضارة ٍ وأناقة ٍ باذخة ٍ, وبألوان ٍ أبهجت وأدهشت الجميع فأجبرت أصحاب الفن في هولندا ليقولوا الكثير عن حضارة ٍ امتدت سبعة الاف عام , وادي الرافدين والتقاء دجلة بالفرات , حيث ولدت الفنانة عفيفة التي تـنسج بفنها خيوط الأمل من بعيد, تلوّح بريشتها للمرأة العراقية التي تصارع شتى أنواع القهر, واثقة كألوان لوحاتها , بفجر الحرية الذي طال انتظاره.

4-4-2004
 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية