نافذة

قراءة في ديوان العصفورة المهاجرة طباعة

قراءة في ديوان "العصفورة المهاجرة"
                      أي                                                 كتبها:د. هاشم صالح
اغـتــراب الــــطائــــــر           (نشرت في مجلة نزوى)
بلقيـــــــــس حـمـيـــد حســــــــــــــن

لفتت انتباهي المجموعة الأولى لبلقيس لعدة أسباب. أولها، وربما أهمها، الطابع الرومانطيقي الجيّاش
لبعض القصائد، وحتىعناوين القصائد. في الواقع اني مللت من "وباء التشيؤ" الذي أخذ يغزو الشعر
الحديث في الآونةالأخيرة ( لنقل في العشرين سنة الأخيرة) . فالدواوين الشعرية تبدو - الا مع استثناءات
قليلة- وكأنها قابلة للتبادل فيما بينها دون أن يغيّر  ذلك في الأمر شيئا . يمكنك أن تضع اسم هذا الشاعر على
جموعة ذاك، أو العكس، دون أن تشعر بأي فرق. هل يمكنك أن تفعل الشىء ذاته مع أبي تمام،أو المتنبي ،
و المعري؟لقد فقد الطابع الشخصيللقصيدة العربية وتحولت الى قصيدة عمومية واحدة تنطبق على الجميع أو
صدر عن الجميع. فهل يجوز ذلك ؟
أول شىْ في الشعر هو خصوصيته ، هو انه صادر عن ذات واحدة ، عن ذات محددة بعينها، عن ذات
انفجرت بالشعر
غصبا عنها.والنقطة الثانية التي أدت الى الوباء الذي يكتسح الشعر الحديث حاليا على ما أرى هي
استسهال المجاز المبتكر( أو الصورالناجحة) . بمعنى يكفي أن  تقول الليل أبيض أو النهار أسود لكي
تصبح شاعرا يشار اليه بالبنان! لقد تحولت المجازات الأبداعية التي تعبر عن تجربة حقيقيةالى مجازات
امتثالية مكرورة لاتجربة تقبع خلفها، ولااحساس. لقد أصبحت متنقلة لامعادل موضوعي لها على أرض
الواقع. وهنا يكمن سبب فشل الكثير من قصائد الشعر الحديث، وارتباك الجمهور أمامه، واختلاط القيم
عدم القدرة على التقييم في مثل هذا الجو . أرجو أن لا يتهمني المزايدون حداثيا بالرجعية والتخلف
والحنين الى الماضي إذ أقول ما أقول .فأنا أقدر قصيدة النثر، بل وأصبحت مؤخرا أشبع" حاجتي الى
الشحنات الشعرية" عن طريق قراءة الكتب النثريةـ كتب التراث مثلاـ لا عن طريق قراءة الشعر
الحديث .في كتاب "الصداقة والصديق" لأبي حيان التوحيدي أو كتاب "الأشارات الألهية" شحنات شعرية
هائلة .وقل الأمر نفسه عن كتب أخرى كثيرة مفعمة بعبق التراث . وإذا ما انتقلنا الى التراث الأوربي
وجدنا في "تاريخ الجنون" لميشيل فوكو شعرا أقوى من أي شعر وقل الأمر نفسه عن الكتب الفلسفية
لنيتشة، ألخ...واذن فليس عندي أي اعتراض على التجديد الشكلي واجتراح المجازات الغريبة والشاذة
شرط أن تكون مبررة: أي بشرط أن يكون قد دفع ثمنها معاناةً وتجربة ًواحتراقاً . لنطلع على بعض
عناوين بلقيس: اليكم أهلي ، دائرة أحزان ، لغات النار ،أنت وخط العمر ، تداعيات ،ذكرى ، ليس الى قلبي
 أم لأسرار الروح ، أنين ، هذه العناوين الرومانطيقية التي تعبر عن تجربة شخصية حادة أثارت في نفسي
شيئا محبباً ومبهماً في الوقت نفسه. لقد أعادتني الى الطفولة وقراءاتي الأولى وأول احتكاك لي بالأدب.
ذكرتني بذلك الأدب الذي كان يكتب للتعبير عن الذات، عن جروحات الداخل ، عن تداخل الخاص بالعام في
واقع تراجيدي عربي يتجاوز كل خيال .عنوان المجموعة نفسه يفضح كل القصائد الموجودة في الداخل ،
ويفضح بلقيس نفسها . كل شىء يتلخص في هذا الأغتراب ، اغتراب الطائر عن عشه، عن بيته الأول،
عن وطنه. ويبدو ان الشاعرة لم تبرأ بعد من هذا الأغتراب، لم تهضمه كأمر واقع ونهائي (كما فعلت
انامثلا، ولكن هل فعلت حقا ؟) . ولذلك هي لاتزال تكتب الشعر . عندما كناأطفالا كنا نرى الطيور وهي
تهاجر، وكنا نتسائل: الى أين تهاجر الطيور؟ كنا نلاحقها بنظراتنا التى تغيب.أتذكر ان هذه الصورة كانت
تسحرني في طفولتي وتثير في الكثير من مشاعر الحزن والحنين الى شيء مبهم وغامض .وكنت أحسد
لطيور لأنها قادرة على الطيران والأنطلاق، بين الطيران والحرية ربما كنت أحلم بالغرب وأوربا منذ ئذ دون
أن أعي ذلك .هنا يبدو العنوان موحيا جدا، ولعله هو الذي دفعني الى كتابة هذه المقالة.أقول ذلك دون أن
أنسى بالطبع لجرح العميق النازف الذي يقبع خلف هذه المجموعة التي تبقى مجموعة اولى في نهاية
المطاف. وعندما أقول أولى فاني اقصد انها واعدة بما سيتحقق اكثرمما تحقق ربما.
لكن لنتوقف عند بعض الصور ، عند بعض الدلالات على الموهبه الشعرية التي لاتنكر . لنتوقف عند
القصيدة الأولى التي تفتتح الديوان وتمتلىء بالطابع الغنائي والحنين العاصف الى الماضي:
يا بيت أهلي في العراق لك التحية
 كل الرسائل بيننا اغتيلت كتبت ُ لك الكثير
بكيتُ في كل الحروف جبلتها بدم الحنين كيف السبيل الى اللقا.....
الدليل الذي لا يخطيء على نجاح هذه القصيدة هو انني أنا المصاب بعاطفة "الحنين المضاد الى الوطن". أنا
الذي لا يمكن اتهامه بالحنين الى الوطن24 ساعة /على 24 ساعة، رحت انفعل وأتأثر وأعود في الذاكرة
الى الوراء.....هناك حزن كثير وحرقة حقيقية في هذه القصيده. ويكاد المرء يغص بالذكريات وهو
يسترجعها،تكاد تقضي عليه الذكريات. ثم لنتأمل قليلآ في هذا المقطع الذي تحلق فيه بلقيس عالياً :
ا بيت أهلي في العراق ورفيف أجنحة الحمام على الفرات...
يا فسائل , يا نخيل , يا كل أعمار الكبار توّقفي حتّى نعود هنا كدت أتخيل الصورة بأم عيني كما هي على
الرغم من اني لم ار الفرات في حياتي، ولم أر العراق. ثم تنهي الشاعرة قصيدتها بالمقطع التالي الذي
يضج باللوعة ونفاذ
الصبر:
فيا سنين توقّفي
حتى نعود......
الشىء الذي فاجأني في هذه القصيدة، وعلى مدار الديوان بشكل عام، هو هذا الحنين المطلق الى الوطن،
هو هذا الحنين الأبيض الناصع الذي لا تشوبه شائبة. وقد يتسائل سائل: ماذا ؟ أتعتبر الحنين الى الوطن
شيئا مدهشا أو عجيبا ؟
أهكذا انقلبت القيم عندك  عاليها سافلها؟ وأجيب : نعم اني أستغرب. فبعد كل التشوه الذي حصل ، وبعد كل
المأساة التي أصابت العراق وغير العراق لم يعد المرء يتحسس شيء، لم يعد يهتم بشيء . لقد ماتت
العواطف فينا وتشيأت ليس كرها بالوطن، وانما من شدة خوفنا على الوطن. لقد تحجرت عواطفنا، تجمًدت
أو تشيأت كما حصل للشعر الحديث.....لقد ماتت فينا أشياء كثيرة، أو قتلت من الداخل كما قتل ...الوطن.
.ثم تجىء بلقيس وتحافظ على نفس الحنين السابق وكأن شيئا لم يكن. هذه القدرة على التفاؤل أو بالأحرى
على الأخلاص هي التي أدهشتني ، هذه العاطفه الصادقه أو الصادرة من الأعماق هي التي سرى تيارها
ووصل الى شخص عدمي مثلي :اي شخص انعدمت فيه كل المشاعر والأحاسيس والعواطف. شخص تحول
الى وحش عاطفي : أي موحش من الداخل ومقفر. هكذا رحت أتسلق على عواطف بلقيس كما تتسلق
الأعشاب الميتة( أو الطحالب الطفيلية) على الأعشاب الحيّة لكي تتغذى منها أو تنعم بالدفء والنور. رحت
أعيش بالواسطة، اي بشكل موارب أو غير مباشر . بمعنى اخر: بما انني عاجز عن الأحساس بأي شيْ من
تلقاء ذاتي ، بما اني فقدت الأحساس كليا ً فلماذا لا أعيشه من خلال الآخرين الذين لم يتشوهوا بعد؟ ......
أقول ذلك وأنا واع بحجم المأساة التي تخترق هذه المجموعة الشعرية الصغيرة الواعدة كما قلت بما
ستحققه مستقبلا كثر مما حققته الآن .ولكن حتى مأساة ضخمة في حجم مأساة العراق لم تستطع أن تشوّه
عواطف بلقيس ، على الأقل حتى الآن. هذا العشق للعراق، هذا الحب للعراق، هذا التشهي للعراق ( وكأنه
رجل تحبه) هو الذي يثير
الأعجاب حقاً. وإلا كيف يمكن أن نفهم مقطعا رائعا كهذا المقطع:
مرةً نعشقُ أو نضحك يوماً أو نئـنُ،
إنما في القلب قفلٌ
ظلّ موصودا ولا يفتحُ
إلا
عند أبواب العراق.....
كل المؤامرات الخارجية على شراستها وإجرامها، وكل الأستبداد الداخلي على عماه لايمكن أن يقتل وطناً لا
يزال يثير مثل هذا التعلّق، مثل هذه العواطف المشبوبه . سوف يظل العراق اذن. في قصيدة تالية بعنوان "
عتراف" تقول بلقيس :
أعترف
اني لا أصلح
للحكم عليك
حين يحق الحق
فأنت بلادي.....
حب أعمى للوطن، حب مقدس لا يناقش ولا يمس. لا يمكن أن يخطىء الوطن.يمكن أن يخطىء هذا
لشخص أو ذاك ، هذا الحاكم أو ذاك ، أما الوطن....في المقطع التالي، وربما في بعض المقاطع الأخرى ،
لا يمكن للمرء إلا أن يشعر
بنفحة شعرية على طريقة محمود درويش :
أفي الصبح اني سأشرب
شايا من البلد الذي لن أراه؟
أفي الصبح يسعفني وجه أمي ،
ولون شعور البنات..
بحيّ تعبنا من اللعب فيه؟...
في آخر قصيدة بعنوان" عراق" نجد المقطع التالي الذي يختتم المجموعه كلها:
تسكرني أنت عراق
النخل
الشواطيء
الأفياء
الطرب الأصيل
وحبّات التراب...
أترك للقاريء مسؤولية الغوص في هذه العبارة الصغيرة: وحبّات التراب! ولا حاجة الى التعليق الكثير.
سوف أوقف
هنا استشهاداتي التي ربما قد طالت أكثر مما يجب .
هاشم صالح ، تروفيل،في 17 /8/1998


 

 

الخيارات

البحث

لقاءات اذاعية